ذهبت إلى تايلند في الشهر الماضي، وهي بلاد منفردة بذاتها، لها هويتها الخاصة رغم انها كانت قبل وقت قصير تقع ضمن مملكة كبيرة تضم ثلاث دول أخرى، انسلخت عن بعضها نتيجة لعنصر الانتماء واللغة، وتكونت لكل هوية دولة.
وكذلك رأيت تايلند، فهي وإن لم يكن لها تاريخ ضارب في القدم مثل الأجناس الأخرى التي كونت امبراطوريات وامتدت حتى غطت المشرق والمغرب، الا انها كشعب وجذور تعتز بما لديها من تراث وثقافة وخصوصية، وتحافظ على تميزها حتى غزت العالم من خلال عاداتها وتقاليدها وفلسفتها في الحياة.
تايلند مهيأة لان تذوب وسط محيطها بثقافاته المختلفة، وتاريخها يقول انها كانت معبرا للاستعمار بكل أشكاله، فما ان تتخلص من محتل حتى يدخلها محتل آخر، كان ذلك في السابق، اما اليوم فهي عرضة للغزو الفكري والسياحي المتعدد.
والذي قد يفوق من حيث الأرقام السنوية عدد سكان البلاد بمرات، خاصة للعاصمة بانكوك التي تعتبر عاصمة دولية متعددة الأجناس واللغات والثقافات والأديان وقبلة للسياحة المختلفة في أغراضها وأهدافها.
ومع ذلك فان بانكوك متحصنة بانتمائها إلى الأمة التايلندية، انها بشوشة في وجه الضيف، سعيدة بما حباها الله من نعمة توافد الناس عليها واتساع رزقها، ان رأيت مطارها عرفت انك في بلاد تلبس زيا خاصا بها.
وان مررت في شوارعها شاهدت الطابع الذي يميزها، وإن دخلت احد فنادقها حييت بانحناءة وكفين متلاصقين، وإن قدم لك الشاي جلس على ركبتيه من يقدمه، اما اذا كنت مقيما في المربع العربي فلا مانع من ان ترى الأسماء مكتوبة بالعربية، من مكتب دبي للشحن والتخليص، إلى مطعم داوود العراقي أو شهرزاد أو حسين الإيراني.
ولكن اللغة التايلندية موجودة، ومقدمة على اللغة العربية، انها فرض واجب، تفرضه السلطات المسؤولة هناك، حتى خارج ذلك المربع، تجد «ستاربوكس» و«ماكدونالد» وبنفس ألوانها المميزة تكتب لغة البلد اولا ثم اللغة الانجليزية.
ولوحات السيارات لا تحمل اسما بلغة غير لغتهم، لم يتفننوا ويعيشوا أزمة مع أنفسهم ويغيروا ذاتهم من اجل «سواد» عيون الأجانب والسياح الذين هم بأمس الحاجة إليهم وإلى عملاتهم الصعبة وتدفقات أموالهم، ولهذا ترى الغربي الذي يعمل هناك يتحدث بلغتهم، بينما رجل الاعمال الزائر لأيام يحمل كتيبا يقرأ منه معاني الكلمات المحلية في مواجهة اللغة الانجليزية أو الفرنسية أو الألمانية.
هوية فرضت نفسها بحكم القانون والعادة والاصرار، وكأن تايلند تقول للجميع «من يريدنا فهكذا نحن»، وليس «من يريدنا سنكون نحن مثله»، ومع كل ذلك لو كنت تتحدث لغة منقرضة ستجد مترجما جاهزا لمساعدتك في عملك أو في علاجك بأحد المستشفيات!!