تصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بخصوص «مقايضة الذهب بالحلوى» ذكرتني بحكاية جد بليغة يرويها جلال الدين الرومي في مجال الاستعبار والتنبه!

يقول الرومي: إن جماعة من السُّراق (الحرامية) وبعد أن انتهى نهارهم الحافل «بالمكتسبات» و«الإنجازات» والغنائم التي جمعوها من المدينة انتحوا جانباً من أطراف المدينة متجمعين في خرابة خارج سورها ليتقاسموا ما غنمت أيديهم من «عناء» النهار.

وقد أشعلوا ناراً وأطلقوا العنان لرقصهم وطربهم، وبينما هم كذلك إذا رجل مسن من أهل المدينة راكباً حماره يتجه صوبهم بعد نهار حافل بالعمل والمعاناة في الحقول والمزارع جلبته إليهم أنوار النار وجَلَبة المغنين، بعد أن وجد بوابة المدينة قد أغلقت، كما هي العادة أيام زمان، فقرر أن يقضي الليل بصحبة ذلك الجمع الذي ظن فيه خيراً!

لكن الجماعة بطبعها النهم وجشعها الذي لا يتوقف عند حد خططت مبكراً لسلب رأسمال ذلك الرجل الطيب القلب بكل ما يملكون من أساليب الخدعة والاستمالة والتخدير فقررت زيادة وتيرة الطرب والرقص والغناء إلى درجة استثارة كل مشاعر ذلك الكهل المسكين، وقررت بالإشارة والإيماءة أن تسرق حماره المربوط جانباً لأنه لا يملك غيره وتتركه وحيداً في القسم الأخير من ظلمة الليل.

وصار القرار أن ينسل أحدهم من وسط الجمع الراقص لهذه المهمة وعندما ينتهي منها يقول «كلمة السر» التي هي «خربرنت» وهي كلمة فارسية معناها «راح الحمار» أي طار الحمار، فيبدأ الراقصون بترديد هذه العبارة واحداً بعد الآخر لينتبه الجميع فيزيدوا من وتيرة الرقص والغناء والعربدة حتى «يسكر» الرجل المسكين «على الآخر» كما يقولون.

وكانت الوصلة التي تربط فيما بين مقاطع الغناء هي: «خربرنت» أي ـ طار الحمار ـ وهكذا «سكر» الرجل شيئاً فشيئاً وهو يغني ويرقص بوتيرة متصاعدة ويردد معهم «خربرنت وخربرنت» فيما كانت جماعة السراق ينسلون من بين يديه واحداً بعد الآخر حسب الخطة الموضوعة.

ولم يأت الصباح حتى انتبه صاحب الحمار المسكين بأنه ترك وحيداً وقد أخذته السكرة إلى خسران آخر ما يملك بعد سرقة داره وحماره فصار حبيس الفناء الرحب خارج أسوار المدينة لا يملك سوى ذكريات الليلة الراقصة مع جماعة السراق الذين ظن بهم خيراً!

إن أي مراقب ضليع بأحوال ما يجري لأقطارنا وبلداننا العربية والإسلامية يستطيع أن يلحظ بسهولة الأهداف العميقة الكامنة خلف سمفونية الطرب وحفلة الرقص بلا حدود الدائرة من حول أسوار مدننا وأقطارنا في ليالي السمر الحالكة المحيطة بمنابع الطاقة من غاز وبترول ومناجم المعادن والثروات التي يريدون الاستيلاء عليها نهائياً تحت غطاء «وصلة» الحريات وحقوق الإنسان وتعميم الديمقراطيات وثقافة الاعتراف بالآخر والتسامح مع الغير و...

إنها وصلة جميلة بالفعل ومقولات خير يراد بها شر للأسف الشديد هذا ما تبينه معالم خريطة الطريق التي شقت لنا، انظروا إلى ما يجري بصمت وهدوء بالغين في مجال العودة المنظمة إلى منابع الطاقة في شمال إفريقيا تحت عناوين ووصلات متعددة ومتنوعة.

انظروا إلى ما يجري بعنف ومعاناة بالغين في مجال احتكار منابع ومخازن المعادن الثمينة لاسيما اليورانيوم في دارفور السودان في مقدمة لإخراج الصين وشريكاتها الآسيويات من مفتاح إفريقيا وبوابتها الإستراتيجية.

انظروا إلى ما يجري في العراق الذي يراد له أن يكون بوابة الهيمنة النهائية على منابع الطاقة في كل المنطقة الخليجية والقفز من خلاله إلى آخر مخازن الغاز والبترول الخارجة عن السيطرة في بلاد فارس بحجة الخطر الداهم المنطلق من برنامج إيران النووي، انظروا إلى ما يجري في بلاد الشام التي ظلوا يقبلون شراكتها ومشاركتها إلى أن تم اكتشاف النفط والغاز فيها!

لكن ثمة أمر عجيب وملفت في الوقت نفسه ألا وهو وجود ما يشبه الإجماع في هذا الفضاء الواسع من البلدان والأقطار بين الموالين والمعارضين وإلى حد كبير بين بعض الأنظمة القائمة نفسها على ضرورة المشاركة في حفل ترديد الوصلة الغنائية المخصصة والمعدة بعناية لهذه الليالي الملاح ألا وهي وصلة «التغيير والإصلاح»!

أقول ذلك وأنا أعرف أن ثمة غضبا عارما سيجتاح بعض النفوس والأفئدة، وأن سيل الاتهامات سينهال علينا بحجة أن مثل هذا التحليل سيصب عملياً في خدمة بقاء أنظمة الاستبداد والديكتاتورية مرة وفي خدمة أبطال العنف والراديكالية والتطرف مرة أخرى، لكن ما يهمني هنا التحذير المبكر من مخطط تطيير آخر حمار لدينا.

وعندها سوف لن تشفع لنا قلوبنا الطيبة ولا توقنا الشديد للإصلاح والتغيير، بل إن التغيير والإصلاح المنشود سيصبح مستحيلاً بعد أن تهدم كل شيء كما هو نموذج العراق المصغر الآن، ولن يبقى مجال حتى لمبادلة الذهب الإيراني بالحلوى الأوروبية.

وبالمناسبة هل ثمة من يرغب فعلاً، ناهيك أن يطالب بإلحاح بتكرار تجربة العراق «التحررية»، اللهم إلا من كان شريكاً في سرقة الحمار وصاحب الحمار!

أمين منتدى الحوار العربي ـ الإيراني