تساؤلات عدة تثيرها التطورات الحاصلة والمتسارعة في «الحديقة الخلفية» السابقة لواشنطن، في أميركا اللاتينية التي تراجعت أهميتها ومكانتها أساساً بالنسبة للولايات المتحدة مع نهاية الحرب الباردة.
وزاد هذا التراجع على الأجندة الأميركية مع انشغال واشنطن الأساسي في الشرق الأوسط. لكن ذلك لا ينفي قلق واشنطن المتزايد من عودة «مشاكسين» جدد إلى الساحة اللاتينية مثل الفنزويلي هوغو شافيز الذي توفر له أسعار النفط الراهنة القدرة لإعطاء مصداقية لسياسات المشاكسة والممانعة التي يحاول بلورتها ضد واشنطن في القارة اللاتينية وحتى خارجها.
تساؤلات من نوع، هل تتجه أميركا اللاتينية نحو اليسار، اليسار التعددي في مضمونه العقائدي وجذريته؟ بعضه يحمل خطاباً شعبوياً وخاصة مع زعامات كاريزماتيكية؟
هل تستكمل القطيعة مع وصفات صندوق النقد الدولي القائمة على «إجماع واشنطن» والنتائج الاجتماعية الكارثية لهذا الإجماع؟ هل ينجح هوغو شافيز في ترسيخ ثم في توسيع تحالفه مع بوليفيا وكوبا؟
التحالف الذي يسميه «الثالوث المقدس المعادي للامبريالية» والمقصود بالطبع الولايات المتحدة؟ هل تستمر دول أخرى في أميركا الوسطى وفي الكاريبي إلى جانب المكسيك بالطبع سابقاً في التوجه نحو واشنطن لإقامة اتفاقية تجارة حرة معها؟
هذه بعض التساؤلات القائمة، لكن هناك حقائق أخرى لا تخفيها وبالطبع قد لا تستطيع طمسها واجهة التضامن اليساري العالمثالثي الجديد كما دلّت على ذلك قمتان عُقدتا بعد «القرار التاريخي» بتأميم الغاز الطبيعي في بوليفيا الذي صفق له البعض ووقف ضده البعض الآخر من جماعة اليسار عندما طال مصالحهم.
التأميم الذي يجري في عهد العولمة ويذكِّر بزمن ولّى ويحاول أصحاب القرار استرجاع رمزية هذا الأخير في معناه السياسي والوطني أكثر منه الاقتصادية. قمة الدول الأربع التي جمعت الأرجنتين وبوليفيا وفنزويلا والبرازيل بناءً على طلب الأخيرة التي تعتبر أنها الضحية الأولى والأساسية لقرار «الرفيق» البوليفي.
والتي حاولت الأرجنتين من خلال هذه القمة من دون أن تنجح في إيجاد تسوية بوليفية ـ برازيلية بعد التأميم. لكن يبدو أن الإسفين قد دُقّ بين هذه الأطراف، والقمة الثانية هي القمة الأوروبية ـ الأميركية اللاتينية الرابعة .
والتي كان موعدها يوم 12 مايو في فيينا. وللتذكير، فإن هذه اللقاءات بين المجموعتين الإقليميتين والتي بدأت عام 1999 في البرازيل تهدف إلى خلق تعاون أقاليمي متعدد الأطراف يفترض أن يؤسس لنظام عالمي متعدد الأقطاب كما يرى الطرفان اللاتيني والأوروبي من عقد هذه القمم التي تهدف أيضاً إلى تعزيز التعاون الاقتصادي بينهما.
الطرفان في نهاية التسعينات شعرا بضرورة الاستفادة من التداعيات «التحريرية عليهما لنهاية الحرب الباردة والتي أعطت كل منهما حرية كبرى أو هامشا واسعا بعد نهاية نظام الثنائية القطبية للتحرك وبناء علاقات بعيداً عن ضغوطات وقيود «الأخ الأكبر» الأميركي.
ومن المفيد التذكير أن الرؤية الإستراتيجية لكل من الطرفين وراء هذه القمم لم تتبلور بعد في تعاون جماعي ملموس إنما سمحت فقط بخلق إطار تشاور سياسي وإجراء حوار ثقافي والاستمرار في التحضير لتوقيع اتفاقيات مشاركة بين الاتحاد الأوروبي من جهة والمركوسور والتجمعات اللاتينية الأخرى بعدها من جهة ثانية.
لكن ما طغى على قمة فيينا كان «مشكلة» قرار التأميم البوليفي وخاصة الخلاف البرازيلي البوليفي الذي لم يكن من الممكن احتواؤه كلياً ولو تم تقييده في الحد الأدنى الممكن حينذاك.
يقود ذلك إلى ملاحظات ثلاث أساسية أولها أن الابتعاد عن واشنطن أو القطيعة معها كما الارتباط بها أياً كان حجم هذا الارتباط لا يكفي لحل الأزمات البنيوية في المجتمعات اللاتينية وهي أزمات اقتصادية اجتماعية وسياسية ذات أوجه متعددة.
وثانياً أن التجمعات اللاتينية الفرعية مثل المركوسور وجماعة الأمم الأندية، والسوق المشتركة لأميركا الوسطى وجماعة دول الكاريبي يجمع بينها كلها أنها لم تستطع أن توفر الحد الأدنى المطلوب من التكامل الاقتصادي والتوافق السياسي بين أعضائها بل تنهشها الخلافات وتشلها، يغادرها البعض ويهدد البعض الآخر بمغادرتها .
وثالثاً كما يحذر الرئيس المكسيكي فيسانتي فوكس حول ضرورة إبعاد الأيديولوجيا عن الاقتصاد فإن المصالح الوطنية كما تحددها النخب الحاكمة والتنافس التاريخي بين بعض القوى اللاتينية والخلافات الحدودية التي لم تحل حتى الآن بين بعضها الآخر تبقى أقوى بكثير من الخطابات العقائدية التضامنية في صياغة العلاقات بين الدول الأميركية اللاتينية.
إنه تحد ليس فقط من خاصيات أميركا اللاتينية بل هو سمة أساسية في اللحظة الراهنة في كل الأقاليم النامية في العالم.
كاتب لبناني