مصيبة كبرى. أن تلمح مشاعر الخيبة والإحباط لدى الكثير من «المثقفين» و«النشطاء» العرب بسبب السياسة الأميركية التي راهنوا (قبل شهور قليلة فقط) على أنها ستضغط على الأنظمة العربية من أجل الديمقراطية الموعودة التي أعلنت الإدارة الأميركية أنها ستقيمها في الشرق الأوسط.

وأكد الرئيس الأميركي أنه «مبعوث العناية الإلهية» لترسيخ الحريات التي غابت عن المنطقة العربية طويلا، وأكدت وزيرة الخارجية الأميركية وهي تجوب بالمنطقة وتعطي التعليمات أن أميركا أخطأت طوال ستين عاما لأنها دعمت أنظمة عربية غير ديمقراطية وانحازت إلى «الاستقرار» على حساب الحرية»، فكانت النتيجة أن ضاع الاثنان معا: الاستقرار والحرية!

وقد آن أوان تصحيح ذلك كله بالتركيز على الحريات، واعتماد الإصلاح السياسي الديمقراطي مدخلاً للتعامل مع مشاكل المنطقة التي أصبحت خطراً على مصالح الولايات المتحدة نفسها وعلى العالم كله، وفقاً للرؤية التي كانت تطرحها الإدارة الأميركية حتى قبل شهور قليلة !

نسي أصحاب الرهان الخائب على موقف أميركيّ رسميّ منحاز حقيقة للحرية والمثل العليا أننا طوال ستين عاماً من الانحياز لـ «الاستقرار» ضد «الحرية» لم ينقطع الحديث الأميركي عن الديمقراطية، ولم ينقطع «التبشير» بعالم تسوده الديمقراطية.

ولم ينقطع - في الوقت نفسه - الانحياز للقمع والاستبداد ونسي أصحاب الرهان الخائب أن العرب لم يذهبوا طوال تاريخهم للعدوان على أميركا، بل هي التي جاءت بجيوشها منذ الخمسينات لتقف ضد الحركة القومية العربية، لتغير خريطة المنطقة بما يحقق المصالح الأميركية.. والإسرائيلية طبعاً !

وحتى أحداث 11 سبتمبر فهي لم تكن صناعة عربية بل كانت نتاجاً لسياسة أميركية دفعت شباب العرب والمسلمين الى أفغانستان خدمة لأهداف أميركية، وأقنعتهم «بالجهاد» لمصلحتها، ولم تستفق الا بعد أن انقلب السحر على الساحر الأميركي!!

ونسي أصحاب الرهان الخائب أن حكاية «الديمقراطية» لم يتم طرحها في الجولة الأخيرة من حرب أميركا المستمرة من نصف قرن للسيطرة على المنطقة، إلا عندما انكشفت فضيحة خداع الشعب الأميركي أولا والعالم بعد ذلك بتبرير غزو العراق بأنه يمتلك أسلحة دمار شامل.

وهو الأمر الذي لم يثبت كذبه فقط، ولكن ثبت أيضا علم الإدارة الأميركية بهذا الكذب وإصرارها عليه، بل وثبت أن قرار الغزو كان متخذاً منذ بداية ولاية بوش.

ولم يكن يبقى إلا البحث عن ذرائع! وعندما انكشفت الفضيحة كان لابد من تقديم سبب آخر للشعب الأميركي يبرر آلاف الضحايا ومئات المليارات التي يتم إنفاقها في حرب خاسرة.. وكان المبرر هو تلك «الرؤيا» التي تلقاها الرئيس بوش لينشر «الحرية» في العالم ويقدم «» لها في العراق!!

ونسي أصحاب الرهان الخائب أن أميركا لم تخف يوماً سياستها الثابتة على مدى ستين عاما والتي حددت لها هدفين أساسيين : ضمان الهيمنة على بترول المنطقة وبالأسعار التي تناسب أميركا وحلفاءها، ثم ضمان التفوق الإسرائيلي على العرب..

هو هدف لا يتم فقط بإمداد إسرائيل بأسباب القوة العسكرية والاقتصادية والعلمية، وإنما أيضا وأولا بحرمان العرب من كل ذلك، وضمان استمرار حالة التخلف والحفاظ على اختلال ميزان القوى لغير مصلحتهم. أما الحرية والديمقراطية فهي موجودة على الدوام من باب الدعاية والتجمل، وبشرط ألا تصطدم بالهدفين الأساسيين للسياسة الأميركية في المنطقة.

ولقد حذرنا منذ البداية من هذا الرهان الخائب. فواشنطن تعلم أكثر من غيرها أن خلافها الأساسي هو مع الشعوب العربية، وأن هذه الشعوب لن تبلع ما تستطيع الأنظمة ابتلاعه من سياسات أميركية، ولن توافق على الانكفاء على نفسها وترك مصير المنطقة يقرره الآخرون. وأن هذه الشعوب لن تنسى فلسطين مهما كان الأمر.

ولن تجد عذراً لسياسة أميركية تقول انها تنطلق من مثل عليا تنحاز لقيم العدل والحرية والديمقراطية ثم تنحاز في نفس الوقت لأحط سياسة نازية ترتكبها الحكومات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني. ثم إن هذه الشعوب - ومهما كان التضليل - لن تغفر الجريمة التي ترتكبها يومياً ضد شعب العراق الذي فقد حتى الآن أكثر من مئة الف قتيل ( ودُمّر وطنه ).

ويساق الآن إلى حرب أهلية لن تقتصر أثرها على بلاد الرافدين، بل ستمتد إلى ما حولها لتغرق المنطقة في بحر من الكراهية والحروب الطائفية التي تصب في مصلحة المجرم الأساسي الذي ارتهن السياسة الأميركية لصالحه وهو اللوبي الصهيوني الحاكم في واشنطن.. وفي تل ابيب!

لكن أصحاب الرهان الخائب استمروا في طريقهم معلنين أنهم سيتحالفون مع «الشيطان» من أجل الديمقراطية الموعودة، ناسين أن الشيطان مهتم أولا بتحالفه مع إسرائيل، وأنه يعرف أن الخيار الديمقراطي يعني أن تصعد إلى الحكم تيارات معارضة لسياساته في المنطقة، وأن إعلانه عن فتح أبواب الحوار مع التيارات الإسلامية لم يكن حباً فيها .

ولا سعياً وراء الديمقراطية، وإنما سعياً وراء إشاعة مناخ من «تديين» السياسة وإشعال الصراع السني- الشيعي، ثم اختزال الخيار السياسي بين نظم الحكم القائمة والتنظيمات الإسلامية على حساب قوى المجتمع المدني، إنها نفس الحالة التي تم إغراق العراق فيها، والتي يبدو بالفعل انها «النموذج» الذى يراد تصديره للعالم العربي كله تحت وهم « الديمقراطية» على الطريقة الأميركية!

استمر الرهان الخائب لفترة طويلة، حتى فوجئ أصحابه بالتراجع الأميركي. اختفت الضغوط التي كانت تمارس سراً وعلنا والتي بلغت مرحلة التهديد والإنذارات لأنظمة كانت أقرب الحلفاء لواشنطن.

وبدأ الغزل مع الحركات المناهضة والاحتفاء بها يتوارى، وبعد أن كان الإعلام الأميركي مشغولاً بالحديث عمن سيخلف النظم العربية الراهنة، أصبح الحديث عن الرضا الأميركي بما يتحقق من إصلاحات جزئية !

ولقد قيل الكثير حول أسباب التراجع الأميركي. فهناك الفشل الكامل الذي يكاد يتحول إلى كارثة في عملية غزو العراق. وهناك الأزمة الإيرانية وإمداداتها إلى دول الخليج وإلى العراق وسوريا ولبنان. وهناك ما أفرزته التجربة الديمقراطية في فلسطين ومصر من صعود للقوى الإسلامية، وهي تجربة تتوقع واشنطن تكرارها في دول أخرى.

ومع ذلك فالتاريخ يقول إنه حتى لو لم تكن هناك كل هذه العوامل لما تغيرت النتيجة لسبب أساسي وهو أن الديمقراطية التي تتحدث عنها واشنطن ليست هي الديمقراطية التي نريدها لأنفسنا.

واشنطن تريد «الديمقراطية» التي تضع عملاءها في السلطة، وتجعل كل قطر عربي منكفئا على همومه الداخلية، قابلا للانقسام والتشرذم، مسلماً بهيمنة إسرائيل قابلاً بشروطها للإذعان، بينما الشعوب العربية تريد الديمقراطية طريقاً للنهوض العربي الذي يفجر كل طاقات الإبداع ويمتلك كل أسباب التفوق.

تراجع واشنطن أدى الى تراجع في حركة الذين راهنوا على الدور الأميركي والى خفوت صوتهم، بعد أن أدركوا أن التحالف مع الشيطان من أجل الديمقراطية كما قالوا يضع كل شيء في يد الشيطان.

والشيطان يعرف أن ديمقراطية حقيقية في العالم العربي هي بالقطع ضد مصالحه «والمقصود مصالح الإدارة الأميركية الصهيونية الحالية والتي تتعارض مع المصالح الأميركية الحقيقية».

صحيح أن بعض العرب مازال يذهب للمشاركة في تكريم السفير الأميركي في الأمم المتحدة الذي لم يترك موقفا عدائياً ضد العرب إلا وكان في جانبه، و صحيح أن البعض مازال يراهن على صراع داخل الإدارة الأميركية قد ينتهي بإزاحة الصهاينة اليمينيين المسيطرين على القرار الأميركي !

وصحيح أن البعض الآخر مازال يأمل بأن يؤدي الضغط الشعبي الأميركي المناهض للحرب إلى تغيير حاسم في السياسة الأميركية، أو أن يتلقى الرئيس الأميركي «رؤيا» جديدة تصحح من رؤياه السابقة!

ولكن الصحيح أن أحداً - من المؤيدين أو المعارضين - لم يأخذ بالجدية السابقة تصريحات الخارجية الأميركية التي تكررت مرتين هذا الشهر عن الأوضاع في مصر.. مرة حين تم تجديد حالة الطوارئ لعامين، ومرة بعد الصدامات التي رافقت اجتماع القضاة قبل عشرة أيام.

فالخط الأساسي للسياسة الأميركية في المنطقة أصبح معروفاً للجميع.. للحكومات والمعارضين، وللمطالبين بالإصلاح والحريصين على إبقاء الأوضاع على ما هي.

سقط الرهان الخائب على ديمقراطية تفرضها أميركا، وبقي الرهان الصحيح بأن الشعوب وحدها هي القادرة على صنع التغيير المطلوب، ومع بقاء هذا الرهان تثور الأسئلة التي ينبغي أن نجد الإجابة الصحيحة لها: لماذا بقيت الحركات الإصلاحية حتى الآن محصورة بين النخبة؟ لماذا يبقى الشارع العربي بعيداً ؟

ولماذا يتراجع دور الأحزاب المدنية في وقت تفرض الظروف أن يكون لها الدور الأساسي ؟ وهل سيستمر الدفع في طريق ثنائية (الحكم - التيار الإسلامي) وتهميش باقي التيارات السياسية.. ؟ وما هو تأثير ذلك على مستقبل العملية الديمقراطية ؟ ثم..

كيف ننتقل من حالة حوار الطرشان التي نعيشها الآن إلى حالة حوار حقيقي يدرك فيه الجميع أن تحقيق المصالحة الوطنية هو نقطة البدء التي ينبغي أن يعتصم بها الجميع في مواجهة التحديات الهائلة التي يواجهها العالم العربي. وأنه إذا كان الرهان الخائب على دور أميركي في دعم الديمقراطية قد سقط، فإن الرهان على دعم أميركي على استمرار الأوضاع على ماهي عليه هو رهان آخر خائب.

وأن المصالحة الوطنية على برنامج للإصلاح هو الطريق الوحيد للخروج من الأزمة قبل أن ننجر الى «الفوضى» التي تراها أميركا «خلاقة» ويعرف الجميع أنها ستدمّر كل شيء، كما حدث في «النموذج» العراقي!!

نقيب الصحافيين المصريين