عندما يبدأ المواطنون الأميركيون العاديون في تبادل التساؤل الاستنكاري بشأن النفوذ اليهودي في الولايات المتحدة، فإن هذه قد تكون بداية النهاية للدولة الإسرائيلية.

للحديث مناسبة تتمثل في عاصفة جدلية في الدوائر الأكاديمية الأميركية، أثارتها دراسة انتقادية للنفوذ التقليدي الذي تمارسه جماعات ومؤسسات يهودية على مؤسسات السلطة الأميركية لصالح إسرائيل وعلى حساب المصالح القومية الحيوية لشعب الولايات المتحدة.

الدراسة ـ التي نُشرت ككتاب ـ من تأليف أستاذين جامعيين أميركيين هما د. ستيفن والت الأستاذ في كلية كينيدي التابعة لجامعة هارفارد ود. جون ميرشيمر الأستاذ في جامعة شيكاغو. ومحور الدراسة الأساسي هو تنبيه إلى أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة باتت خاضعة تماماً لمصالح إسرائيل.

إنها من دون شك دراسة على أعلى درجات الخطورة، لأنها تعكس تساؤلاً في الشارع الأميركي برز إلى السطح في أعقاب تفجيرات سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن.

لقد رأى قادة المؤسسات اليهودية الأميركية في ذلك الحدث الدرامي غير المسبوق فرصة عظيمة لاستثماره من أجل مضاعفة وتصعيد الحملة الأميركية ضد العالمين العربي والإسلامي باسم مكافحة الإرهاب.

ومن أجل رسم مصير للشعب الفلسطيني بما يلائم الاستراتيجية التوسعية الإسرائيلية ويضع نهاية حاسمة لفكرة الدولة الفلسطينية، لكن الشارع الأميركي رأى فيما يبدو شيئاً آخر تمثل في تساؤل كبير، إلى متى ندفع ثمن تحيزنا لصالح إسرائيل ضد العرب؟

يلتقط المؤلفان هذا التساؤل المتنامي ليقولا إن اللوبي اليهودي أخطبوط تطال اذرعه العديدة تشريعات الكونغرس وسياسات وقرارات وتوجهات الإدارة الأميركية والمؤسسات الإعلامية والنظام المصرفي وغيرها.

وتركز الدراسة بصفة خاصة على «أيباك».. الاسم المختصر لعبارة «اللجنة الأميركية الإسرائيلية للشؤون العامة».. وهي اللوبي الرئيسي المؤيد لإسرائيل.. وهي أيضا الهيئة التي تنتقي عن طريق نفوذها الأسطوري المرشحين لانتخابات الرئاسة الأميركية، وبذلك يكون أي من يفوز في «المعركة» الانتخابية مواليا للدولة الإسرائيلية.

ويلفت صاحبا الدراسة الانتباه إلى معاهد ومؤسسات أكاديمية تنشر دراسات وتقارير دعائية بشأن إسرائيل باسم البحث العلمي، ويكشفان أيضا أسماء الشخصيات اليهودية التي تولت أو تتولى مناصب سلطوية نافذة تسخّر لخدمة إسرائيل في مختلف عهود الإدارات الأميركية المتعاقبة.

لقد أثارت الدراسة جدلاً حامياً بين مؤيدين ومعارضين في الأوساط الأكاديمية الأميركية. ورغم أن الأستاذين الجامعيين صاحبي الدراسة ألصقت بهما تهمة «معاداة السامية» وينتظرهما ما هو أسوأ بإسلوب اغتيال الشخصية، إلا أن الدراسة تفتح للمرة الأولى باباً لن ينغلق.

وعندما يدرك المواطن الأميركي العادي من خلال الجدل المتواصل أن مؤسسة السلطة الأميركية تضحِّي بالمصالح الدولية للولايات المتحدة وشعبها من أجل مصلحة الدولة اليهودية، فإن ذلك سيكون إيذاناً ببداية النهاية لإسرائيل.