في الوقت الذي نشدد فيه على ان الديمقراطية هي نظام لادارة الخلافات يعتمد على النقاش وعلى عمليات التصويت، نحب ان نشير الى ان النقاشات الحادة الدائرة حول تعديل الدوائر الانتخابية تمثل صراع إرادات يجنح كل طرف فيه إلى الغلبة على الطرف الآخر.

هناك مؤيدو الدوائر الخمس من النوّاب، وهناك مؤيدو الدوائر العشر، وهناك من يقف مع الحكومة في نيتها استشارة المحكمة الدستورية وهناك من يعارضها ويقرأ في خياراتها نوايا غير طيبة مازالت تميل الى إبقاء الحال على ما هي عليه أي استمرار العمل بقانون الدوائر الخمس والعشرين القديم...

وسط صراع الارادات هذا تكون الرؤوس حامية ولا تقبل بإرسال التنبيهات الديمقراطية اليها قبل أن تهدأ وتبرد ولكن فيما نراه لن نكون على درجة مقبولة من التفاؤل اذا اعتقدنا ان الجميع سيعودون الى الاحتكام الديمقراطي ويقبلون بإخضاع خلافاتهم للنقاش وإرجاعها الى الاكثرية لتقرر في بعضها, وايصال هذه الخلافات الى نتائج يتم الاجماع عليها.

وعندما تصبح المواقف السياسية تعبيرا عن كيان وجودي للأطراف فإن الابواب تنفتح امام نوازع الغلبة وتغلق امام التسويات الديمقراطية وربما لهذا السبب اصبحت مسألة تعديل الدوائر عنوانا للتحديات الذاتية وصراع الارادات وتعدد المصالح.

ولهذا لا يعرف انصار الدوائر الخمس طريقهم الى التساؤل والنقاش ويربطون مواقفهم بحجة استنسابية وانتقادية تفيد كالعادة بأنها مواقف مبذولة من اجل الكويت ومستقبلها, وهؤلاء ليس لديهم الوقت للجوء الى العقل الانتقادي, والتساؤل لماذا الدوائر الخمس هي الافضل وليس الدوائر العشر, وهل الدوائر الخمس خالية من الشبهات الدستورية ام لا؟ ...

المسألة هنا اصبحت تختصر إرادة لنواب يجب ان تفرض على الحكومة وإلا كانت الحكومة لا تعمل من اجل الكويت وشعبها وإلى ما هنالك من اتهامات تذكر بأعراف قديمة كانت تعتبر الموالي للحكومة غير وطني والمعارض لها هو الوطني بامتياز.

في هذه المعمعة السياسية الملتبسة والمتداخلة يجب على الحكومة ان تواجه بمرونة وان تعرف ان رؤوس الربع حارة ولا يمكن ان تبرد الى ان تتكشف لها الامور.

وفي هذا الجانب على الجميع ان يلاحظوا أن هناك مستفيدين من الازمة الطارئة سواء في صفوف المؤيدين للدوائر الخمس أو العشر وان الكل عنده ما يقول في تبرير مواقفه وعنده حساباته والكل يخوض معركته على خلفية الغلبة التي تقصي الديمقراطية في العادة عن مرجعية الاحتكام وتدخل الازمات السياسية في انفاق مظلمة.

ولا شك ان حكمة سمو الامير وهو أبو السلطات هي التي ستفكك الارادات المشتبكة وهي التي ستعيد الجميع الى السوية الديمقراطية أي احترام الخلاف وادارته، فهذه ليست أول أزمة تقع بين السلطتين على هذا المستوى من الحدة فالكويت كناية عن مجتمع سياسي حر ومنفتح وكرامات الناس فيه مصونة وحراكه نشط وقوي وأزماته لا تزال على مسافة قريبة من الذاكرة العامة.

فأيام الامير الراحل عبدالله السالم شهدنا أزمات بين السلطتين لو قورنت بالازمة الحالية لبدت اكبر منها بكثير ورغم ذلك كان يجري التعامل معها بوسائل ادت الى تطوير الحراك السياسي, ورفع مستويات النقاش.

نعترف بوجود أزمة بين السلطتين وأن هناك من يحاول الاستفادة منها لكن المنتصر في نهاية الامر سيكون العقل ووعي الناس.