لنفترض أن حركة (الجهاد الإسلامي) هي التي شكلت الحكومة الفلسطينية وليست حركة (حماس). أو لنفرض أن الجبهة الشعبية أو الديمقراطية هي التي شكلت الحكومة الفلسطينية. بل لنذهب ابعد من هذا: المستقلون مثلا، أو شخصيات مثل حنان عشراوي أو حيدر عبدالشافي. كيف سيكون رد فعل التنظيمات الأخرى خارج السلطة؟
من المرجح أن تسلك (فتح) الطريق الذي سلكته حيال (حماس) وحكومتها، فمن اعتاد أن يكون حزب السلطة لن يتخلى بسهولة عن الشعور بذات مطعونة ومصابة بالصدمة في كبريائها الذي غذته سنوات طويلة من الزعامة، لكن التي قادته إلى الترهل. هذا ما لا يريد نشطاء (فتح) أن يصدقوه، لذلك انطوى سلوك (فتح) منذ فوز حركة (حماس) في الانتخابات إجمالاً على شيء من المكابرة.
لكن هؤلاء يستذكرون جيداً سلوك (حماس) عندما كانت (فتح) تمسك بالسلطة التي استهلكتها واستنزفت ثقة الفلسطينيين بأداء مخفق وغارق في الفساد والمحسوبية. لكن (حماس) كانت تكابر أيضاً لأنها كانت قد حددت علاقتها بالسلطة بشكل مشخصن بامتياز.
لم تكن (حماس) تتعامل مع السلطة كمؤسسة، نواة لدولة وأجهزة قابلة للنمو ولم تكن رموز السيادة القليلة وحتى الشكلية منها لتعني شيئا لحماس ولا أرشيف وزارة الثقافة الذي سرقه الإسرائيليون في اجتياح جنين ولا وثائق السجل العقاري أيضاً.
عمليات استشهادية واحدة تلو الأخرى دون اكتراث للعواقب والتبعات. التبعات الآن صارت تاريخاً يمكن استذكاره بسهولة لأنه حدث أمس.
كان السيناريو يسير بشكل متقن وبسيط للغاية: إسرائيل تستدرج (حماس) نحو الرد، وكانت هذه تستجيب فتضرب وتتباهى بأنها تضرب في عمق إسرائيل. أما إسرائيل فترد بضرب السلطة ومؤسسات السلطة إلى أن توجت ذلك باجتياح جنين عام 2002 وحاصرت الراحل عرفات في المقاطعة إلى أن مات مسموماً. لم تكن (حماس) لتعبأ بكل هذا.
ولم تكن لتفكر بأن تدخل في حكومة وحدة وطنية بوزير أو اثنين أو أن تغير في تكتيكاتها لحماية السلطة، حتى ذلك الحين لم تتضح لقادة (حماس) القناعة بأن المؤسسة أهم من الفرد وان من شأن الدخول في حكومة وحدة وطنية مثلا أن يحمي المؤسسة لا الأفراد، يوفر الطاقات لحرب تحرير ولا يبددها في معارك صغيرة.
الآن تجد (حماس) نفسها أمام نفس السلوك الذي يتسم بقدر غير قليل من عدم الاكتراث من قبل الآخرين، (فتح) تحديداً. وجاءت عملية تل أبيب الشهر الماضي لتثبت أن (الجهاد الإسلامي) بإمكانها أن تمارس ما كانت تفعله (حماس) فيما مضى.
أنها تستعيد نفس الكلمات التي كانت توصف بها وتستعيد نفس المفردات التي كان يطلقها مسؤولو حكومات (فتح) على تصرفاتها ومواقفها. وليس هناك من مفردة تصف هذا أفضل من «قصر النظر».
أما اشتباكات «عبسان» في قطاع غزة فهي تقدم الدليل الأهم على أن سلوك الفصائل الفلسطينية وأفقها لا يمكن أن يرتقي إلى ما هو ابعد من حيازة السلطة فقط. لا يمكن أن يتخطى الراهن والآني إلى المستقبل، هذا ليس في الحسبان دوما، ولامبالاة (حماس) تحولت الآن إلى فتح.
فكوادر (فتح) باتوا لا يكترثون للمؤسسة بل من يقودها، لا يكترثون بتدعيم انوية الدولة بل بمن يتسلم زمامها طالما أنهم من المنافسين. عقلية القبائل التي تتنافس على آبار المياه والكلأ هذه خاصية لصيقة بالعرب حرمتهم من تأسيس دول بالمعنى الحديث لفترة طويلة إلا بشكل قسري على يد المستعمرين.
يبرهن الفلسطينيون على أن هذه العقلية القبلية خاصية أصيلة بامتياز. قبيلة (حماس) لم تكن لتكترث بالسلطة الفلسطينية الناشئة باعتبارها نواة للدولة من منظور استراتيجي.
لم تكن تفكر في المشاركة في إدارتها درءاً للفساد حتى، بل كانت تمارس طهرانية وتعففا لا يليق بمن يريد أن يثبت اليوم انه جدير بقيادة هذا الشعب. قبيلة (فتح) تمارس اليوم ما كانت تشكو منه في الأمس من تصرفات قبيلة حماس. ترى ما الذي سيكون عليه الوضع لو أن تنظيماً آخر وصل إلى السلطة من أولئك الذين ذكرناهم أنفاً؟.
على الأرجح السيناريو نفسه بتفاصيل تختلف قليلاً. يقول الكاتب الفلسطيني عمر حلمي الغول إن الاشتباك بين عناصر من (فتح) وعناصر من «حماس» في عبسان بقطاع غزة جاء «اثر احتكاك شكلي ما بين عناصر الحركتين».(عمر حلمي الغول، كيف نحمي الساحة من الفتنة ـ الحياة الجديدة، 11 مايو).
لقد نجم عن هذا الاحتكاك الشكلي ثلاثة شهداء وعشرة جرحى وتصدر هذا «الاحتكاك الشكلي» نشرات كل محطات التلفزة. السؤال: إلى متى سيبقى المستقبل رهنا بمشاحنات النشطاء والزعران في الشوارع؟.
انهم يذكروننا بتلك الطريقة المضحكة التي كانت تنهار فيها الهدنة في سنوات الحرب الأهلية في لبنان. يكفي أن يأتي «ايلي» أو «جان» إلى المتراس بمزاج عكر و«حسن» أو «محمد» أو العكس ويتبادلون الشتائم المقذعة عبر المتاريس لكي يبدأ إطلاق النار وتنهار هدنة جهد الزعماء في تثبيتها قبل ليلة.
هل سيقرر هؤلاء الذين يختالون بالأسلحة والرشاشات في الشوارع كيف يدخل الفلسطينيون في نفق الاحتراب الأهلي الذي تم تفاديه رغم كل الظروف والمغريات منذ عام 1994 وحتى اليوم؟
يعطي الغول بعضا من تفسير لهذا الاشتباك المخزي للطرفين: «لغياب روح المسؤولية الحزبية والاجتماعية والوطنية ونتيجة عمليات التعبئة والتعبئة المضادة، واحتقان النفوس فتحت جبهة قتال فلسطينية ـ فلسطينية بكل الأسلحة ولساعات طويلة أدت إلى النتائج المذكورة أعلاه، هذا إضافة إلى الخسائر المادية التي طالت المنازل والمساجد والطرق والمؤسسات العامة».
وحسب عبدالوهاب بدرخان فإن «الذهاب للتقاتل يبرهن الطرفان أنهما بلا أي مسؤولية ولا أي وطنية ولا حتى أي رحمة بمواطنيهم» (عبدالوهاب بدرخان ـ حرب أهلية وتجويع، الحياة 11 مايو).
كل هذا ولا يفهم هؤلاء أن حرب التجويع والحصار المفروض على حكومة (حماس) يمكن أن يفرض على أي حكومة فلسطينية سواء كان على رأسها رجل من الجهاد أو الشعبية أو الديمقراطية أو حتى مستقل.
متى سيفهم الفلسطينيون مثلا أن الحصار والضغط المفروض على حكومة إسماعيل هنية يؤثر في الصميم على قدرات الرئيس أبومازن أيضا حتى في التفاوض؟ متى سيفهمون أن موقف أبومازن يضعف كثيرا بإضعاف حكومته رغم خلافه مع رئيسها؟
متى سيفهم قادة (حماس) أن المصلحة الفلسطينية تقتضي تفاهما مع الرئيس الذي ينتمي لقبيلة أخرى لأن إضعاف أي منهما إضعاف للوضع الفلسطيني بأكمله؟ متى سيفهم قادة (حماس) أن إضعاف أبومازن بالمعارك الكلامية أو التنازع على الصلاحيات هو إضعاف لقدرتهم على إدارة حكومة يمكن أن تلبي حداً أدنى مما يريده الفلسطينيون؟
متى يفهم الفلسطينيون جميعاً أن عليهم تغيير طريقة تفكيرهم قليلا والتعامل مع المستقبل وان يدركوا أن إقامة الدولة المستقلة وتحقيق الأهداف الوطنية العليا مدخله وحدة وطنية تتجاوز الشعارات إلى قليل من التضحيات المتبادلة بين قبائلهم؟