يواجه الإعلام المحلي، وخاصة في هذه المرحلة التي أصبح فيها العالم مترابطاً من حيث تشابك المصالح، وتداخل الثقافات المختلفة التي تتحاور ويتأثر بعضها بالبعض الآخر من خلال استخدام وسائل الاتصالات الحديثة التي أفرزتها التطورات التكنولوجية الحديثة، تحدياً يشمل جميع وسائل الإعلام التي تحاول أن تصل إلى أكبر عدد من الناس. لقد أصبح الفضاء مفتوحاً للجميع.

وصار الإنسان حراً فيما يختار، وهذا بحد ذاته يعزز النظرية التي تقول إن البقاء لمن يستطيع أن يلامس الحاجات الحقيقية للناس. وقد أصبحت مكانة وسيلة الإعلام سواء كانت جريدة أو محطة تلفزيونية أو إذاعية، رفيعة في أنظار الناس متى ما تميزت بالقدرة على طرح القضايا الجديدة التي تهم الإنسان كفرد وجزء من المجتمع في عالم العولمة.

في ظل هذه الأجواء انعقد المؤتمر الثاني لمؤسسة «البيان» للصحافة والطباعة والنشر حول الإعلام في دولة الإمارات «الرؤية المستقبلية» وذلك ضمن احتفالات البيان بذكرى تأسيسها في القرن الماضي و تخطي مرحلة ربع قرن من الصدور وربع قرن من العطاء لمستقبل أفضل لمجتمع الإمارات.

وهي مناسبة تؤكد فيها «البيان» أن الشأن المحلي، لا يختلف في أهميته عن الشؤون العربية أو العالمية، وقد يكون من حسن التخطيط أن يأتي المؤتمر الثاني بعدما انتهى المؤتمر الإعلامي العربي الذي جمع لفيفاً من الإعلاميين العرب، والذي قام بتنظيمه «نادي دبي للصحافة».

لقد اتضح من خلال المؤتمر أن شباب الوطن من الكوادر الجديدة قادرة على أن تجعل من مناسبة لقاء أصحاب القلب من مختلف أرجاء الوطن العربي حدثاً لا يمكن تجاهله، وأن القضايا العربية التي يهتم بها جميع من ينتمي إلى السلطة الرابعة، هي في الواقع مشتركة، سواء في شرق الوطن أو غربه.

كانت مناسبة جميلة أن يلتقي أولئك الإعلاميون في مكان واحد، وهو في الواقع منطقة الحلم العربي، فقد كان لقاءً بين مختلف الاتجاهات والرؤى وبين كافة التيارات السياسية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، كان الجامع بين هذا الطيف الواسع هو الحلم في أداء الرسالة الإعلامية.

كان فارس هذا المؤتمر الإعلامي (بلا شك) صاحب الرؤية الجديدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، نحو عالم جديد، عالم يؤمن بأن العمل والإنجاز هو الذي يبقى، وما عدا ذلك فهو ذاهب إلى الفناء.

لقد استطاعت مدينة الإنسان (دبي) ان تحقق حلم اللقاء بين أولئك الذين يحملون هموم الإنسان وأحلامه في أرض الحضارات (الوطن العربي) في زمن بات الحلم من المحرَّمات!

كان يوماً جميلاً حينما استمع الجميع إلى هموم الجميع وأدركوا ن همومهم واحدة، وأن الأمل في الخروج من النفق طموح مشروع من أجل غدٍ أفضل.

في ذلك اللقاء الوحدوي الذي جمع أبناء الوطن الواحد وجدانياً رغم أنهم مجزأون جغرافياً، تأكيد على أنه مهما اختلفت الأوطان والأهواء السياسية إلا أن الجميع في سفينة واحدة، إنقاذها هو السبيل الوحيد للبقاء على قيد الحياة. كان ذلك اللقاء الحضاري تأكيداً على استمرار الحياة والعيش بسلام بين الأصالة والمعاصرة وبين التقليدية وما بعدها.

لقد راود أذهان العديد من الإعلاميين المشاركين في المؤتمر سؤال حول علاقة القضايا المحلية بواقع الصحافة في الإمارات. فقد تصوّر البعض أن هناك تقصيراً أو محاولة لعدم الخوض في الشأن المحلي بسبب التخوّف من تناول قضايا محلية هي في محل الخطوط الحمراء.

أو بسبب ضعف القناعة بقدرات أبناء هذه الأرض في الكشف عن خبايا الشأن المحلي، غير عارفين بأن هنالك مؤتمراً خاصاً حول الإعلام الإماراتي، في هذه المرحلة المهمة من تطوّر المجتمع، في طور الإعداد.

في الوقت الذي ينشغل فيه الجميع بالحديث عن عملية الإصلاح وملاحقة عجلة التطوُّر العربية والعالمية، والإعداد للخطاب السياسي ذي النزعة المثالية، لا يزال فرسان المرحلة الماضية يحملون الخطاب نفسه منذ القرن الماضي.

وهي مسألة باتت معروفة لدى الجميع، فهو خطاب أيديولوجي قد يلامس مشاعر وأحاسيس الناس، إلا أنه لا يقدم حلولاً لأزمة الإنسان في القرن الحادي والعشرين، ويذكّرنا الخطاب بالأيام الجميلة في بيروت والقاهرة وبغداد ودمشق.. إلخ.

إلا أننا نتساءل فيما إذا حلّت مشكلات الإنسان في تلك العواصم العربية، وهل يعيش إنسانها بسلام وبالحد الأدنى من الرفاهية؟! الإجابة عن ذلك يعرفها أولئك الذين رفعوا الشعار وتركوا الإنسان بلا رغيف خبز في فلسطين.

لقد طرح العديد من الأصدقاء سؤالاً مهماً: هل يمكن أن ينجح مؤتمر يتناول القضايا المحلية في ظل العولمة وفي مدينة هي بؤرة من بؤر التحوُّل العالمية؟!

لم يدرك هؤلاء أن المحلية لا تتناقض مع العالمية، بل على العكس من ذلك، فإن قضايا الوطن والهوية والمصالح الوطنية هي في لبّ الانسجام مع النظام الجديد.. أليست الولايات المتحدة الأميركية تدافع عن مصالحها في هذه المرحلة، وأليست روسيا (هي الأخرى) تدافع عن مصالح مواطنيها في هذه المرحلة!

لقد أكدت أوراق العمل التي قدمت في المؤتمر الثاني لِ«البيان» ان هنالك مفكرين وباحثين إماراتيين، ذكوراً، وإناثاً، لا تقل أوراقهم التي قدموها أهمية عن أوراق أولئك القادمين من العواصم العربية الأخرى. فقد أصبح المواطن العربي سواء كان من الإمارات أو من أقطار عربية أخرى باحثاً ومتطلعاً إلى تجارب الأمم الأخرى وخبيراً من دون ضجيج.

كان المؤتمر الثاني لـ «البيان» بحد ذاته بياناً ذا خصوصية متميزة، فعبر رؤية العلاقة بين الشأن المحلي والشأن العالمي ادراك لمعالم العالم الجديد يتم في ضوئها تخطيط السياسة الإعلامية بما يخدم أهداف وطموحات العالم العربي ودولة الإمارات بشكل خاص.

إن التداولات التي تمت في المؤتمر الثاني تؤكد على بروز مرحلة جديدة من الحرية ومن الشفافية ومن الصراحة، وان التفاعل بين المنتمين للسلطة الرابعة ترك مجالاً للحوار بين من يجلس في المقاعد الدراسية وبين الذي يحمل خبرة إعلامية تمتد إلى عدة عقود من الزمن. وقد أكد هذا المؤتمر كذلك على أن المسيرة نحو المستقبل قد تعززت بعناصر جديدة تحمل روحاً وثابة وطموحة.

وإن العام القادم سيشهد المزيد من النهوض والتطور على الصعيد الإعلامي، في هذه البقعة من الوطن الممتد من الماء إلى الماء.

تحية لكل من ساهم في هذا المؤتمر، ونرجو ممن لم يساهم إعادة النظر بين الحل الممكن وبين الحلم الطوبائي.

رئيس وحدة الدراسات ـ «البيان»