الهوية لا يعادلها شيء في الوجود. إنها مقدسة بقداسة تراب الوطن والانتماء للتاريخ والجغرافيا، وهي كذلك عند كل شعوب الدنيا وليس عندنا فقط، فهذا كلام عام أتحدث به اليوم.

ولو صادف أننا زرنا بلداً ممسوحاً من ذاكرة الأحداث والمواقع السياحية أو الاستراتيجية ولا يسمع عنه أبداً، أقول لكم لو زرنا بلداً مثل هذا مصادفة سنجد ناسه يتفاخرون بهويتهم.

ومع التفاخر سنجدهم يروون حكايات بعضها يصل إلى حد الأساطير حول أصالتهم وقيمة معتقدهم وامتداد جذورهم، حتى وإن كانوا يعيشون في غابات استوائية لم تصلها الحضارة بعد، وإن كانوا لا يزالون يعبدون شجرة أو خشبة أو حجراً.

الهوية شيء آخر، غير كل الأشياء، يحافظ عليها بكل قوة واقتدار، وتبذل في سبيلها كل النفائس وفي مقدمتها النفس بطواعية، ولا تستبدل بكنوز الدنيا، وكم من شعب صغير رفض إغراءات الأمم الكبيرة عندما وجدها ستطغى بثقافتها على ثقافته.

وستمحو بطغيانها هويته، ونتذكر أن الشعوب العربية عندما وقفت في وجه الدولة العثمانية في بدايات القرن الماضي لم تقف لمساندة الاستعمار كما يحلو للبعض القول، ولم تفعل ذلك رفضاً لدولة الخلافة.

ولكنها هبت في وجه «تتريك» الدول العربية، وإضفاء الطابع القومي التركي على الهوية ملقين اللغة العربية التي فتحت لهم أبواب البلاد والتي تنطق بها قبل خمسة قرون، يومها كانت المقاومة من أجل الحماية من الاعتداء على الهوية التي تختص بها كل أرض وكل جنس، وكان زوال تلك الإمبراطورية التي تخلت عن لغة القرآن وسارت في درب تذويب الهويات وتنمية العنصرية الضيقة.

وحدث الأمر ذاته مع الفرنسيين في الجزائر على وجه الخصوص وفي المستعمرات الإفريقية على وجه العموم، وكان آخرها ما عايشناه في جنوب إفريقيا، حيث افشل شعبها محاولات الطمس التي مارسها الأوروبيون، وسالت دماء من أجل الحفاظ على هوية السكان الأصليين، وانتقدت إرادة الانتماء.

وقبل أن يمسك الشعب الجزائري السلاح لمقاومة الاستيطان الفرنسي تمسك باللغة من خلال «كتاتيب» تحفيظ القرآن في الصحراء وتحت ظلال الأشجار، والشعب الفرنسي واجه هتلر بكل قوته حتى دحره انطلاقاً من باب رفض طغيان الهوية الألمانية على الهوية الفرنسية وحتى لا يصطبغ التراب الفرنسي بالثقافة الألمانية.

الهوية شيء غير قابل للنقاش، وغير خاضع للمساومة، فهي الدليل على الحياة والاستمرار في العيش في المحيط الذي نمت فيه، ولا يمكن أن تكون عرضة للاعتداء التدريجي في ظل صمت ولا مبالاة وعدم انتباه لما يحمله المستقبل.

myousef_1@yahoo.com