تأثير الوزن الاستراتيجي الأميركي العسكري والاقتصادي كبير على السياسات الدولية برغم الخلافات الكبيرة مع السياسة الأميركية لدى معظم دول العالم وخصوصا الدول العربية والإسلامية حول العديد من الملفات الدولية.
وأبرزها قضية الاحتلال الأميركي للعراق بما أحدثه من فوضى سياسية، واضطراب أمني، ودمار اقتصادي، وبسبب التأييد الأميركي الجائر للاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية، بالرغم مما يرتكبه من مجازر يومية ضد الفلسطينيين، وما يمارسه من دمار وحصار اقتصادي عقابا للشعب الفلسطيني على خياره الديمقراطي.
هذا التأثير الضاغط لأكبر قوة عسكرية واقتصادية على مواقف الدول المختلفة من القضايا العالمية يرسم صورة ذات مشهدين باعثة على الغرابة، حين يرسم المشهد الأول غيما ينذر بالمطر في سماء واشنطن.
فنجد الأمطار تسارع بالانهمار على العواصم الغربية من دون غيوم في سمائها ! ونجد العطس صوتا يتردد في العواصم العربية بتأثير «الإنفلونزا الغربية» من دون شعور بالبرد.
وربما من شدة الحر، لكن الباعث على السخرية حقا هو ما يرسمه المشهد الثاني، عندما تتكون غيمة لا تنذر بالمطر في سماء تل أبيب، فسرعان ما تهب الأعاصير من نوع كاترينا على السواحل الأميركية من دون إنذار واحد بأي إعصار.
فتهطل الأمطار بغزارة على العواصم الأوروبية بتأثير ضغوط «الرياح الأميركية»، فترتبك درجات الحرارة مما يبعث على السعال والرشح كمشاركة وجدانية ومجاملة سياسية في العواصم الغربية !
ولعلنا حين نتجاوز هذا المشهد الكاريكاتوري الساخر إلى المشهد السياسي الواقعي الساخن، نرى أن المسألة الأولى التي تشغل «واشنطن» والغيمة الوهمية التي تلبد سماءها الآن هي موضوع الملف النووي الإيراني بما له من تأثيرات وتفسيرات متعددة، فبينما تعتبره واشنطن «تهديدا للأمن القومي الأميركي» وهي في الواقع تعني أنه تهديد «للأمن الإسرائيلي».
حيث ان الغيمة الحقيقية هي في سماء «تل أبيب» قبل أن تغيم على واشنطن، خصوصا مع انكشاف تأثير اللوبي الصهيوني على توجهات السياسة الأميركية تجاه المنطقة العربية والإسلامية، تسميه تل أبيب في تحريض للغرب ضد إيران «خطر على الغرب قبل أن يكون خطرا على إسرائيل».
وعندما انشغلت دول الغرب تبعا للانشغال الأميركي بهذا الملف شغلت معها العالم وأثارت القلق والمخاوف بشأنه لدى دول الشرق أيضا، ولأن الدول العربية من بين دول الشرق ولأن دول الخليج من بين الدول العربية فلقد أصابها نوع من القلق أيضا، بعض هذا القلق له ما يبرره .
ويمكن تبديده كدول عربية إسلامية بالحوار الشفاف مع الجارة إيران، والوصول إلى تنسيق إقليمي مشترك للأمن المشترك على ضفتي الخليج باعتبار أن ما يربطنا من تاريخ وعقيدة وجوار ومصالح وأمن مشترك، يحتل مساحات أكبر بكثير من دواعي الخوف الوهمي أو القلق المبرر المتبادل.
وعندما أبدت بعض دول مجلس التعاون مثل هذا القلق المبرر وأبدت حاجتها إلى تطمينات إيرانية من ألا يتحول برنامجها السلمي الذي هو حق لها إلى برنامج عسكري هو مصدر قلق أمني لدول المنطقة، سارعت إيران إلى إرسال الوفود على أعلى المستويات بتأكيدات تطمينية سعيا لتبديد الغيوم الحقيقية أو الوهمية من السماء الخليجية.
وقد قابلت أميركا والغرب هذه السياسة بمحاولة عزل إيران أو احتوائها ـ نجحت نسبياً في ذلك في الماضي بإدخالها في حرب إقليمية مع العراق استمرت ثماني سنوات ـ وها هي تحاول حاليا وضعها في مواجهة مع المجتمع الدولي عن طريق التشكيك بنواياها السلمية فيما يخص البرنامج النووي الإيراني.
كما تتحرك مخابراتها بميزانية ضخمة في الداخل الإيراني لمحاولة زعزعة الأوضاع في الداخل عن طريق تأجيج المواجهات الفئوية والقومية والمذهبية، وبين المحافظين والإصلاحيين والليبراليين.
ثم تطورت السياسة الأميركية الداعمة لإسرائيل والمستلهمة لمصالحها في المنطقة بإدخال إيران بعد اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر.
فيما سمته «محور الشر» الذي ضم مع إيران العراق وكوريا الشمالية، وبعد غزوها لأفغانستان في وسط آسيا تسعى أميركا وإسرائيل في محاولات متوالية ومتعددة الجبهات إعلامياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً لممارسة ضغوط كبيرة على إيران، تضاعفت بعد احتلالها غير الشرعي للعراق أحد أضلاع «مثلث الشر»، على حد الزعم الأميركي.
وتتركز ساحة المواجهة الإيرانية الأميركية الإسرائيلية حالياً على جبهتين، المسألة النووية، ومحاولة اتهام إيران بمحاولة امتلاك سلاح نووي ونقل الملف إلى مجلس الأمن بهدف فرض عقوبات دولية عليها، والساحة الأخرى هي منطقتا الخليج العربي وآسيا الوسطى.
في الخليج.. تسعى الجهود الأميركية الإسرائيلية الأطلسية لعزل إيران عن جيرانها بهدف تطويقها وحصارها وتغيير نظامها السياسي، عن طريق إثارة الحساسيات الحدودية والمذهبية، وباحتلال العراق ووصول القوات الأميركية إلى الحدود الإيرانية العراقية كان من بين أحد الأهداف توجيه رسالة تهديد واضح للنظام الإيراني فإما أن يرضخ للهيمنة الأميركية.
وإما أن يجري محاولة تغيير نظامه، وإما أن تجري عملية ابتزاز سياسي بتأليب العالم ضد إيران والمبالغة في إثارة مخاوف وقلق دول المنطقة تحت غطاء الملف النووي وهو ما يجري الآن، ومن جهة أخرى يجري دفع الأمور في المنطقة نحو تأزيم العلاقات بين طهران وجيرانها.
ومازالت إيران تمثل لأميركا عقبة تحاول إزالتها أمام طموحاتها في الهيمنة وخصوصاً عبر «مشروع الشرق الأوسط الكبير» الذي ترى فيه أميركا أن آسيا الوسطى ومنطقة الخليج العربي والشرق الأوسط هما الإطار للمشروع الأميركي والمجال الحيوي لإسرائيل.
ومع الأزمات السياسية والعسكرية التي تواجهها أميركا في العراق ومع زيادة أعبائها في أفغانستان، وسط معارضة عربية وإقليمية لغزوها للبلدين ووسط تحفظات دولية على استمرار احتلالها للبلدين المسلمين.
وتحول أميركا الآن إلى البحث عن أطر وآليات جديدة للخروج من مأزقها الحالي بغطاء لماء الوجه، ومع طلب أوزبكستان لأميركا بإخلاء قاعدتها العسكرية منها وتنفيذ ذلك فعلاً..
يتزايد الدور الإيراني كرقم صعب في المعادلات الإقليمية سواء في الخليج العربي أو في وسط آسيا أو الشرق الأوسط، خصوصاً مع تولي الرئيس أحمدي نجاد الحكم بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة وسيطرة المحافظين على السياسة الخارجية الإيرانية.
ويرى البعض أن إيران استفادت من الورطة الأميركية في المنطقة بعكس توقعات أميركا أنها الهدف التالي بعد العراق، وأن طهران جنت بذكاء ثمار غباء السياسة الأميركية، التي تصرفت كالدبة فأخرجت باحتلالها للعراق الدولة العراقية كلها، وليس النظام العراقي فحسب من المعادلات الإقليمية في المنطقة الخليجية لصالح إيران، وفي منطقة الشرق الأوسط لصالح إسرائيل».
كما يقول المحلل السياسي الأميركي «كينث بولاك» في مجلة «فورين أفيرز»: «لقد جنت إيران مجموعة من الثمار السياسية التي حمتها من الوقوع في فخ الحسابات الأميركية وساعد ذلك إيران على قطع شوط إيجابي في علاقاتها الخارجية قصدت به حماية نفسها بشبكة جيدة من العلاقات الإقليمية بينما لا تملك واشنطن في مواجهة طهران سوى حكاية «الملف النووي» .
والتهديد بعقوبات مجلس الأمن «، وأضاف قائلا: «وفي الوقت الذي تحاول فيه حرمان إيران من حقها الطبيعي الوارد في معاهدة حظر الانتشار النووي بامتلاك برنامج نووي للأغراض السلمية.
وتحاول تخويف العرب ودول الجوار وإيهامهم يخطر ذلك البرنامج النووي السلمي الإيراني، تتجاهل الخطر الحقيقي والتهديد القائم بالفعل والمتمثل في إسرائيل وفي امتلاكها لأسلحة الدمار الشامل وعلى رأسها السلاح النووي».. وهو الذي يهدد فعلاً الدول العربية والإسلامية.
Mamdoh77t@hotmail.com
