لم يكن قرار مجلس الأمن الدولي الأخير، والذي يطالب سوريا بإقامة علاقات دبلوماسية طبيعية مع لبنان، مفاجئاً بالرغم من أنه يشكل سابقة من حيث التدخل في الشؤون الداخلية لبلدين شقيقين. لكن هذا القرار وحده لا يكفي لضمان إقامة علاقات طبيعية بين البلدين الجارين والشقيقين، لأن وجود علاقات دبلوماسية بين الدول لا يعني انتهاء المشاكل بينها، وكم من حروب قامت بين دول تربطها علاقات دبلوماسية "طبيعية" دون أن يشكل وجود سفارة لهذه الدولة في تلك عائقاً أمام الاعتداء عليها أو التآمر على مقدراتها.

ثم إن عدم وجود سفارة لدولة في أخرى لا يعني بالضرورة عدم الاعتراف بها، بل قد تكلف سفارة أخرى برعاية شؤون مواطنيها ومصالحها في حال رأت أن ذلك يكفي لرعاية تلك المصالح. وطالما لجأت الدول إلى تقليص تمثيلها الدبلوماسي أو حتى إلى إغلاق سفاراتها في دول أخرى كإجراء دبلوماسي للاحتجاج على موقف معين، دون أن يعني ذلك سحب الاعتراف بتلك الدولة.

المشكلة بين لبنان وسوريا لم تكن يوماً بحاجة إلى قرار دولي لوضعها على الطريق الصحيح، وصدور القرار الدولي قد تكون له انعكاسات سلبية على العلاقات بينهما، وربما هذا ما سعت إليه أصلاً القوى التي تقف وراء القرار. فسوريا لطالما صرحت أنها لا تمانع في إقامة علاقات دبلوماسية مع لبنان وكذلك الأمر بالنسبة للبنان الرسمي الذي تحدث دائما عن رغبته في إقامة علاقات طبيعية مع سوريا، لكن هذه العلاقات لا يمكن أن تقوم في ظروف تتصاعد فيها نبرة الهجوم الإعلامي في لبنان على سوريا والعكس بالعكس. فالعلاقات "الطبيعية" تحتاج إلى أجواء "طبيعية" تمهد لإقامة هذه العلاقات.

وقد تلعب الوساطة والضغوط العربية على البلدين دوراً أهم وأكثر فعالية بكثير من القرارات الدولية للوصول إلى حل يرضي البلدين. ولا بد أن يبدأ الحل بوقف الهجمات الإعلامية لفترة زمنية محددة، تبدأ بعدها اتصالات هادئة وبعيدة عن التوتر برعاية عربية رزينة تقودها دولة مقبولة من جميع الأطراف، لتجد حلولاً للمشاكل العالقة. ووقف الحملات الإعلامية اللبنانية أمر سهل لأن كل أجهزة الإعلام اللبناني تقريبا تتبع إلى جهات وأحزاب معروفة ومحددة، وبإمكان هذه الأحزاب والأطراف إصدار تعليمات إلى أجهزتها لتوقف أي مادة تسيء إلى سوريا، وكذلك الأمر بالنسبة لسوريا، فالإعلام السوري، كما يعرف الجميع، إعلام "ممسوك" بيد الأجهزة الرسمية السورية، ولن يحتاج الأمر إلى أكثر من تعميم من سطرين لإيقاف جميع الحملات التي تسيء إلى أطراف لبنانية.

إن حل الأزمة السياسية القائمة بين لبنان وسوريا هو المفتاح الرئيسي لحل الأزمة الداخلية اللبنانية ومنعها من التفاقم والوصول إلى نتائج لا تحمد عقباها، كما أن مثل هذا الحل سيخفف من الذرائع التي تستخدمها الولايات المتحدة للضغط على سوريا من أجل تحقيق أهداف لا علاقة للبنان بها إلا كأداة تستخدمها أمريكا للضغط على سوريا.

وهذا الحل لن يأتي إلا بإرادة ووعي الدولتين إلى المخاطر التي تحيط بهما، وأن شعبي البلدين سيدفعان ثمناً باهظاً إذا لم تنجح قيادتا البلدين في تجنيب المنطقة أزمة محتملة.