وصلتني مؤخراً رسالة الكترونية تحمل اسم الدكتورة روزماري سعيد زحلان سررت لأني لم أتواصل معها منذ بداية العام عندما تبادلنا تهاني العام الجديد. ولكني ما ان بدأت أقرأها حتى وجدت نفسي تائهة بين الحقيقة والخيال الا عندما هدأت النفس أدركت أنها الحقيقة المرة لقد كتب الدكتور أنطون زحلان بعض السطور ليخبرني عن رحيل أستاذتي ومرشدتي وصديقتي بل ومثلي الأعلى في الحياة.
لقد عرفت الدكتورة قبل ان أراها فلقد قرأت كتبها منذ السبعينات وكم يدهشني ان لشخص مثلها ان يسرد التاريخ ويحاكيه وكأنه صديق عاد من سفر. عندما تقدمت بعنوان رسالة الدكتوراه لمدير قسم دراسات الخليج العربي بجامعة اكزيتر قال: لا أرى شخصا مناسباً ومتمكناً من تاريخ دبي سوى الدكتورة روزماري سعيد زحلان. ثم رتب موعدا في لندن حيث تسكن في حي كنزينجتون.
لم انم تلك الليلة لقد ساورني الشك والقلق والخوف وتدربت ماذا أقول وكيف كان علي ان اترك انطباعا ايجابيا يقنعها بما انا بصدد كتابته. عندما فتحت الباب سيدة وقورة رحبت بي للدخول إلى أجواء ينتعش فيها الفكر فلقد امتلأت جدران بيتها بالكتب التي كان تنسيقها وفهرستها دليلا قاطعا على ثقافة أصحاب الدار.
ودار الحوار حول محاور دراستي واهتماماتي وكنت طوال الوقت متيقظة وملمة بكل كلمة صدرت منها إلا أنها لم تتماد او تماطل عندما قالت: علينا أن ننتج عملا مميزا فأنا كالنسر أرى الصورة كاملة ولا تغيب عني أدق التفاصيل. تلعثمت قبل أن أدرك إنها قالت نعم إلا أني شكرتها وركضت كالطفل أقفز مرارا مؤكدة لنفسي بان مخرجات العمل معها ستقربني قليلا إلى مستواها.
عملت الدكتورة معي بلا كلل أو ملل فلقد أثرت إرشاداتها رسالتي ومنحتها أبعاداً أكاديمية طالما حلم بها الباحثون الذين تشح بهم المراجع والاسنادات.أن العلاقة التي بنيتها معها سامية ونبيلة وكان إيمانهابي أكبر حافز لنجاحي.
قالت لي بعد ان قدمت النسخة المعدلة للجامعة «هذه لك، لعائلتك ولدبي» نعم لقد قدمنا شيئاً بديعاً اهديه لدبي كل يوم. إن أبدع ما كتب عن دبي هو ما كتبته الدكتورة روزماري سعيد زحلان في كتابها The Origins of the United Arab Emirates خاصة صفحة 150 إلى 161.
هذا هو الإرث الثقافي والأكاديمي الذي تركته لنا هذه السيدة التي عاشت بعيدة عن وطنها فلسطين إلا أنها كانت قادرة على إعطاء وطننا تاريخه الحقيقي. لقد كانت كالنسر تقرأ بين السطور وما عرضته في كتاباتها عن الإمارات يحتوي ميزة الرؤية النقدية والتحليلية لسياسات الدول «العظمى».
لقد كان شرفا عظيما عندما اتصلت بي قبل عامين لتخبرني أنها في طريقها لحضور مؤتمر في دبي. وعندما التقينا وبعد الشاي والقهوة قالت: «أرجو أن يكون لديك وقت للتجوال هذا العصر أريد ان أذهب إلى عجمان» أجبتها: بكل سرور فمعك لا يكون للوقت حد. وانطلقنا الى عجمان لقد كانت رحلة لن أنساها فما ان نظرت إلى قلعة أو حي سكني حتى أسهمت في تفاصيل سرد دورهما التاريخي،.
ثم أدركت ما الذي يجري لقد كانت توفق بين الوثائق البريطانية والخرائط السياسية والحياة الاجتماعية. هل لا حد ان يتصور مدى عمق هذه السيدة؟
الدكتورة روزماري سعيد زحلان وأخوها ادوارد سعيد علمان يرفرفان في قلوبنا وتذكرنا بإنسانية المثقف العربي الذي يعيش ويموت متمسكا بمبدأ الوطن الكبير وتفاصيله الصغيرة. اشكرهما وأشكر فلسطين التي لا ينضب عطاؤها.
د. عائشة بالخير