كتبت في يوليو من عام 2003م مقالة بجريدة الصحافة عنوانها «الكنيسة الإفريقية تسجل هدفا» تعليقا على اعتراض الكنيسة الأسقفية الإفريقية ـ وخاصة كنيسة نيجيريا ـ على تعيين الأب جيفري جون المعروف بشذوذه الجنسي مطرانا على أسقفية ريدنج في بريطانيا.

واضطر الأب جيفري إلى الاستقالة من منصبه الجديد رغم تأييد ترشيحه من قبل كبير أساقفة كانتربري واعتماد ذلك من الملكة اليزابيث راعية الكنيسة الانجليكانية.

وقد غضب الليبراليون في الكنيسة الانجليكانية واعتبروا الاعتراض تدخلا في الشؤون الخاصة للأب جيفري، وعلق كبير مطارنة كانتربري بأن حملة عنيفة جرت ضد تعيين جيفري بواسطة بعض مطارنة العالم الثالث (افريقيا) والتبشيريين داخل الكنيسة الانجليكانية،

وقال انه صدم بمستوى الجهل والكراهية التي يحملها بعض القساوسة تجاه الشاذين جنسيا والتي ظهرت عند تعميد جيفري جون مطرانا على مدينة ريدنج العريقة. واغتاظ الأساقفة الليبراليون من التدخل الإفريقي الذي حسم المعركة ضدهم فقال بعضهم متهكما: صحيح أن الكنيسة الإفريقية تنمو سريعا ولكنهم يفعلون ذلك بتمويل منا!

وينبغي أن يحسب ذلك لمصلحة الكنيسة الإفريقية لا ضدها لأنها رغم اعتمادها على التمويل الغربي لم يسكتها ذلك عن الانتقاد القوى لما تراه مخالفا للتعاليم المسيحية وللطبيعة البشرية السوية وقد خشيت قيادة الكنيسة الانجليكانية من أن يؤدي ذلك إلى انشقاق في صفوف الكنيسة تقوده نيجيريا التي يتبع لها سبعة عشر مليونا من المؤمنين بها.

الهدف الآخر الذي سجلته الكنيسة الإفريقية في بداية هذا الأسبوع جاء في هذه المرة من كينيا ومن داخل الكنيسة الكاثوليكية المحافظة والمتشددة في قيادتها الهرمية، فقد أوشك الفاتيكان في الأيام الماضية على مقاطعة الكنيسة الكاثوليكية الافريقية التي تجرأت وعمدت اثنين من الأساقفة دون استشارة البابا وتلك خطيئة كبيرة في عرف الكنيسة الكاثوليكية التي تضم ثلثي المسيحيين في العالم.

وان كان الهدف الأول الذي سجلته الكنيسة النيجيرية يحسب ضد العلاقات الجنسية الشاذة التي أصبحت مقبولة في أوروبا حتى بين القساوسة فإن الهدف الثاني الذي أحرزته الكنيسة الكاثوليكية في جنوب كينيا ينبغي أن يحسب لصالح العلاقات الجنسية الطبيعية بين البشر في كل العالم.

فقد تجرأ أحد أساقفة الكنيسة الكاثوليكية في كينيا على الإقدام بالزواج علانية من صديقته التي ظل يعاشرها ردحا من الزمن، وتلك جريرة كبرى في أعراف الكنيسة الكاثوليكية التي تحرم الزواج على القساوسة تحريما قطعيا فهي تعتبر كل من تعمد قسيسا وكأنه قد تزوج بالكنيسة، ويتوجب عليه أن يتفرغ تماما لخدمة الرب ورعيته من المؤمنين ولا يشغل نفسه بمسألة الزواج وتربية الأبناء.

وترى الكنيسة أن القدوة في ذلك هو السيد المسيح نفسه الذي لم يتزوج إلى أن انتقل للرفيق الأعلى والرسول بولس الذي خاطب مؤمني كورنثوس بقوله: على أنى أقول لغير المتزوجين وللأرامل أنه يحسن بهم أن يبقوا مثلي (بغير زواج) ولكن إذا لم يمكنهم ضبط أنفسهم فليتزوجوا لأن الزواج أفضل من التحرق. ويحق لأسقف كينيا أن يقول إنه لم يخرج عن وصية بولس لأنه لم يستطع أن يضبط نفسه بدليل معاشرته لصديقته التي تزوجها.

وما زالت الكنيسة الكاثوليكية مصرة على رهبنة القساوسة رغم ما يسببه لها ذلك من مشكلات فقد أدى إلى قلة من يقبلون الانخراط في سلك القساوسة بسبب شرط الرهبنة (عدم الزواج) فلا تجد الكنيسة الكاثوليكية في معظم أقطار العالم ما يكفيها من القساوسة رغم إمكاناتها الضخمة لاستيعابهم،

وأن بعض القساوسة يلجأون إلى علاقات جنسية خارج الزواج سواء كانت شاذة أو طبيعية وجر ذلك على الكنيسة بعض الفضائح مثل ما حصل في أميركا قبل سنوات بسبب علاقات جنسية شاذة مع الأطفال لبعض كبار القساوسة.

ومن الغريب أن تحتمل الكنيسة بعض تلك العلاقات غير الشرعية من القساوسة ولكنها لا تحتمل أن يرتكبوا خطيئة الزواج! وقد وجدت الكنيسة الشرقية حلا معقولا للمشكلة لعل الكنيسة الإفريقية تحتذي به، فالكنيسة القبطية تسمح للقسيس العادي أن يتزوج ولكنها تشترط على الكاهن (الراهب الذي تربى في الدير) أن لا يتزوج وعادة ما تكون قيادة الكنيسة في أيدي الكهنة الذين انقطعوا لخدمة الرب،

أما كنيسة الروم الكاثوليك (رئاستها في سوريا) فتسمح لرجل الدين تحت التدريب أن يتزوج قبل أن يتعمد قسيسا ولكن لا تسمح له بالزواج بعد أن يتعمد قسيسا ولذلك يقبل معظمهم على الزواج قبل الانخراط في الوظيفة اللاهوتية وبالطبع تستمر العلاقة الزوجية بعد ذلك.

وقد أدرك الأسقف الكيني أنه خرج على العهد الذي قطعه بعدم الزواج وأنه ارتكب مخالفة كبرى لا تقبلها الكنيسة فأعلن أنه أسس كنيسة جديدة باسم الكنيسة الكاثوليكية الإصلاحية التي تجيز الزواج للقساوسة،

ومن الغريب أن تجد فعلته تأييدا من بعض الكاثوليك الأوروبيين فقد حضر مراسم الزواج بعض الألمان الكاثوليك جاءوا خصيصا لمناصرته في هذا الموقف الذي يعتبر خروجا خطيرا على التقاليد الكاثوليكية.

ليس واضحا حتى الآن ان كانت الكنيسة الجديدة تستطيع أن تصمد على موقفها هذا طويلا وأن تؤسس له من النصوص الدينية ما يجعله مقنعا لأتباعها المحليين ولغيرهم خارج كينيا وأن تعتمد على مواردها الذاتية في تمويل أنشطتها.

ان استطاعت أن تفعل ذلك فإنها تكون قد ساهمت في بناء شخصية مستقلة للكنيسة الإفريقية مثل ما فعلت كنائس أميركا اللاتينية في مرحلة التحرر من الاستعمار الأوروبي، وعلى كل فهي خطوة جريئة قد تصبح سابقة يحتذيها الكثيرون لأنها تساير الطبيعة البشرية.

كاتب سوداني