هناك العديد من المشتركات الثقافية في العالم العربي التي تؤثر على أداء وعمل منظمات المجتمع المدني. فمما لا شك فيه أن ثقافة أي مجتمع من المجتمعات تلعب دورا كبيرا، إن بالسلب أو بالإيجاب، في بنية العمل التطوعي وإنشاء منظمات العمل المدني.
فالثقافة التي تؤمن بمبدأ الحريات الفردية، وقدرة الأفراد على الفعل الاجتماعي المشترك، تساعد على تأسيس المزيد من منظمات العمل المدني، والإسهام بقدر أكبر ومتزايد في جهود العمل التطوعي.
ولا يتعامل هذا النوع من الثقافات مع منظمات المجتمع المدني على أنها مضادة في تأسيسها لبنية المؤسسات الحكومية الرسمية، قدر ما يتعامل معها على أنها وجه آخر من وجوه التطور المجتمعي، يتكامل ويتضافر مع جهود السلطة الرسمية.
والعكس صحيح تماماً بالنسبة لهذه النوعية من الثقافات التي لم يتكرس فيها مبدأ الإيمان بالحريات الفردية، والإيمان بحق المواطنين في تأسيس ما يناسبهم من جمعيات ومنظمات لتسيير شؤون الحياة اليومية والتغير الاجتماعي والسياسي،
حيث يتم التعامل مع العمل التطوعي والمنظمات المدنية بوصفها مهددة ومعادية لبنية السلطة الرسمية. وفي هذا السياق، ترفض الدولة إنشاء منظمات العمل المدني، وتلاحق النشطاء والراغبين في العمل التطوعي.
وتنتمي الثقافة العربية المعاصرة إلى النوع الثاني الذي يُضعف ويُعطل من عمل منظمات المجتمع المدني على كافة أرجاء الوطن العربي. وتشمل هذه الثقافة مجموعة من السمات المختلفة التي نشأت بفعل التغيرات السياسية والاجتماعية التي مر بها العالم العربي منذ حقبة ما بعد استقلال الدولة القومية وحتى الآن.
أولى هذه السمات هو ما يتعلق باستشراء ثقافة الهيمنة والاستفراد. وفي هذا السياق، لعب تسلط الدولة في مرحلة ما بعد الاستقلال دورا كبيرا في استشراء هذه الثقافة على كافة علاقات الجماعات والمؤسسات والبنى الاجتماعية.
فمما لا شك فيه أن دولة ما بعد الاستقلال قد قبضت وهيمنت وتسلطت على كافة شؤون الحياة بدءا من الاقتصاد مرورا بالسياسة وحتى الثقافة والفنون. ولم يكن من الممكن أن يكون لهذا التدخل من قبل الدولة مثل هذا التأثير المهيمن لو أن الدولة ذاتها لم تقم بتقليص ممارسات المنظمات المدنية والجهود التطوعية بمثل هذا الشكل.
وحتى المنظمات التي تركتها الدولة تعمل وتمارس أنشطتها، فإنها قد سمحت لها بذلك من خلال المراقبة المستمرة لها، ومن خلال توافق ما تقوم به مع خطط الدولة المرسومة وأهدافها المعلنة. لقد تسلطت الدولة وامتلكت الفضاء الاجتماعي العام برمته، مما جعلها تمثل الفاعل الوحيد على ساحة هذا الفضاء، والآمر الناهي لما يتم من خلاله.
إن هذا التدخل المفرط من قبل الدولة العربية قد خلق حالة عامة بين المواطنين تتلخص في عدم قدرتهم على العمل الجمعي إلا من خلال ما تمليه مؤسسات الدولة الرسمية عليهم. ولذلك فقد تحولت التنظيمات الرسمية الخاصة بالدولة إلى مؤسسات لقتل الإبداع والحركة والطرح والنقاش.
لقد وأدت الدولة كل هذه الطروحات الإنسانية من خلال بنية القرارات الفوقية التي تتدرج من أعلى قمة جهاز الدولة وصولا إلى الموظفين الصغار في أدنى السلم الوظيفي. وعبر سنوات طويلة من هيمنة الدولة تكرست ثقافة الاستفراد التي تعني انفراد فرد ما بكل قرارات المؤسسة وطاعة الآخرين له وتنفيذ قراراته بغض النظر عن النتائج السلبية المرتبطة بهذه القرارات.
ويأتي ثانيا شيوع ثقافة الخوف من العمل الجمعي، حيث خلقت الدولة العربية تصوراً عاماً مفاده صعوبة العمل خارج الفضاء الاجتماعي العام الذي حددته، بل إنه يمكن القول إن الدولة قد خلقت تصورا مخيفا مفاده أن العمل من خلال جماعات أخرى لا تمت لمؤسساتها الرسمية بصلة يحتاج إلى موافقتها والالتزام بالشروط التي فرضتها على العمل الجمعي بعامة.
ولا ينفصل ذلك بحال من الأحوال عما ذكرناه سابقا من استشراء واسع المدى لثقافة الهيمنة والاستفراد، سواء من قبل الدولة ومؤسساتها الرسمية، أو من قبل القائمين على المنظمات المدنية ذاتها. ورغم ارتباط الثقافة الإسلامية بعامة بالأعمال التطوعية الخيرية التي تهدف إلى فائدة الآخرين، فإن القيود الصارمة التي فرضتها الدولة على هذه الجهود الخيرية قد أدت إلى تقزيم ثقافة العمل الخيري التطوعي.
أخطر ما يؤدي إليه شيوع ثقافة الخوف من العمل الجمعي انتشار حالة من الانسحابية المطلقة التي تقود المواطنين إلى تجنب الاشتراك في أي عمل جمعي أيا كانت أهدافه ومراميه. فالرغبة في تجنب ما يثير الدولة العربية ويثير حفيظة أجهزتها الأمنية يؤدي إلى إيثار السلامة والبعد عن المشكلات التي قد تتسبب فيها المشاركة في أي من منظمات العمل المدني.
لا تقف مسألة الخوف عند مجرد الانضمام إلى أي من منظمات المجتمع المدني، والمشاركة في أنشطتها التطوعية، بل يتعداها إلى الخوف من مجرد الحديث مع الآخرين حول أية قضية اجتماعية، والعمل على إيجاد حلول لها. فاللافت للنظر هنا ضعف التواصل بين الأفراد، وإجراء حوارات بينهم فيما يخص حياتهم ويتعلق بتطويرها.
إن تشكيل المواطن من خلال ثقافة الخوف يؤدي إلى العديد من الأمراض الاجتماعية الخطيرة، والتي من أبرزها الصمت تجاه أوجه الفساد التي يراها تحدث أمامه ليل نهار.
وإذا كان هذا المواطن يصمت تجاه المفاسد التي تحدث أمامه من خلال مؤسسات الدولة الرسمية التي يعمل من خلالها، فإن صمته سيتواصل بالتالي في المنظمات المدنية التي قد ينتمي إليها. ولعل ذلك يفسر لنا طبيعة الفضائح الضخمة والتسيب المالي الذي كثيرا ما نسمع عنه في العديد من هذه المنظمات وعلى رأسها الأحزاب السياسية والمؤسسات الاجتماعية.
إضافة إلى ذلك، تُشيع ثقافة الخوف حالة من الخضوع من جانب المرؤوسين تجاه الرؤساء، الأمر الذي ينفي وجود أي قدر من الحوار والجدل والنقاش حول ما يخص مصلحة العمل، وهو الأمر الذي ينتقل بالتبعية إلى ما يدور خلف كواليس منظمات المجتمع المدني.
ويأتي ثالثا ضعف ثقافة احترام حقوق الإنسان والتسامح على المستوى الشعبي. لا ينفصل كل ما سبق عن وجود مناخ عام وبيئة مضادة لثقافة احترام حقوق الإنسان، والتسامح تجاه الآخرين. فالبيئة التي تتعرض لضغوط اقتصادية وسياسية واجتماعية تؤدي لا محالة إلى عدم احترام حقوق الإنسان، وإلى تقييد حرية الرأي،
وما يرتبط بها من ممارسات وأنشطة مختلفة. ولا يمكن الحديث عن ثقافة لاحترام حقوق الإنسان بين ليلة وضحاها، حيث يحتاج الأمر إلى فترات زمنية طويلة، وإلى تكاتف لكافة القوى الرسمية والمدنية والشعبية في سبيل تدعيم الأخذ بثقافة احترام حقوق الإنسان، والدفاع عنها.
وبسبب الهيمنة المفرطة للدولة وتدخلها في كل صغيرة وكبيرة، وبسبب ما تقوم به أجهزة الإعلام الرسمية من تدعيم لسيطرة الحزب الواحد والصوت الواحد والتوجه الواحد، يصبح قبول الأفراد بأية أصوات خارج هذا الإطار مثيراً للجدل فيما بينهم، ومثيرا للمشكلات، بل إن هذا القبول يثير بين الفرد وبين نفسه كونه يقوم بفعل مخالف ومغاير للمعايير والأسس التي ارتبط بها وتعلمها وتربى عليها.
من هنا فإنه يصعب عليه قبول آراء جديدة تختص بحماية الآخرين، وحقهم في التعبير عن آرائهم، طالما أنه هو نفسه قد تربى على ما تقول به الدولة من جانب، وما تبثه الأسرة من جانب آخر، آخذين في الاعتبار ذلك التماهي والتوحد الذي يحدث في أحيان كثيرة بين الدولة والأسرة في العالم العربي.
ومن أسف أن سياق عدم احترام حقوق الإنسان والانغلاق على الذات وعدم الانفتاح على الآخر، قد انتقلت عدواها إلى الكثير من منظمات المجتمع المدني في العالم العربي. وربما تمنحنا الكثير من منظمات حقوق الإنسان والأحزاب السياسية أمثلة على واقع حقوق الإنسان في العالم العربي.
فالكثير من هذه المنظمات تمر بالكثير من المشكلات الداخلية، وصلت في بعض الأحيان إلى حد التشاجر والاقتتال من أجل كرسي الرئاسة، كما أن الكثير منها محل شبهة من حيث التمويل والتعامل مع دول غربية، من أجل العمل على تنفيذ أجندتها الخاصة بها، وليس العمل من أجل حقوق المواطنين التي يدّعون أنهم يعملون من أجلها.
كما أن الكثير من الأحزاب السياسية أيضا إما أنها أحزاب توريثية، مما يجعلها تتعارض مع أبسط حقوق الإنسان وحقوقه في العمل والمشاركة، وإما أنها أحزاب ديكورية نشأت بأوامر من الدولة ذاتها، وتستفيد ماديا وإعلاميا مما تغدقه الدولة عليها نظير استمراريتها الديكورية المدجنة من قبل الدولة وأجهزتها الرسمية المختلفة.
وإلى أن تستطيع الثقافة العربية تجاوز هذه المعيقات التي تجذرت فيها لمدة تجاوزت نصف قرن، سيظل عمل منظمات المجتمع المدني ضعيفا ومحدودا في حجم تأثيره المجتمعي.
كاتب مصري
salehabdelazim@hotmail.com