حكومة عراقية تأتي بعد مخاض عسير، ووضع أمني يزداد تردياً، وآخر معيشي بات مستحيلاَ، هذه هي حقيقة ما يجري على أرض الرافدين من أحداث بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على احتلالها.
تركة مثقلة بالهموم والمشكلات تتسلمها حكومة المالكي في جميع مناحي الحياة بالعراق، وتحديات كبيرة تنتظر هذه الحكومة في الأيام المقبلة، وإذا كانت الأرقام لا تكذب، فإن إطلالة سريعة على دراسة أجراها الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات بوزارة التخطيط والتعاون الإنمائي العراقية تجسد حقيقة الوضع الصعب وتؤكد انعدام الأمن الغذائي لدى كثير من الأسر العراقية.
الدراسة المذكورة تشير إلى أنه وعلى الرغم من وجود نظام خاص لتوزيع المواد الغذائية بالبطاقة التموينية، فإن الأمن الغذائي يبقى معدوماً لدى غالبية الأسر العراقية التي تنفق، كما تقول الدراسة، أقل من 15 دولاراً شهرياً، وفي هذا السياق قال الممثل الخاص لـ «اليونيسيف» بالعراق «روجر رايت» إن الأطفال يشكلون الجزء الأكبر من ضحايا انعدام الأمن الغذائي، الأمر الذي يؤدي إلى إعاقة النمو العقلي والإدراكي السليم لهم.
الدراسة لم تتوقف عند حدود رصد هذه الحالة، بل تناولت أسبابها التي عزتها إلى الآثار العميقة التي خلفتها الحرب بالعراق، والعقوبات إلى جانب استمرار الصراعات وانعدام الأمن، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة والأمية وانهيار البنى التحتية، خاصة في مجالات الطاقة الكهربائية والماء والصحة البيئية، كما خلصت الدراسة إلى القول إن 25 في المئة من الطلاب دون سن الـ 15 من الذين يعيشون في الريف يهربون من مدارسهم بحثاً عن لقمة العيش.
الظروف المعيشية الصعبة التي تواجه العراقيين زاد من تفاقمها وضع أمني أكثر صعوبة، راح من خلاله مئات الضحايا الأبرياء في المدن العراقية المختلفة الأمر الذي يفرض تحديات كبيرة على الحكومة العراقية الوليدة، فما يجري حالياً في العراق هو إبادة بطيئة ولكن منظمة تقوم بها جهات وأطراف احترفت القتل والعنف مهنة من خلال إزهاق الأرواح بالعبوات الناسفة تارة، والسيارات المفخخة تارة أخرى، والقنص والذبح تارة ثالثة، حيث لم ينج من ذلك الأطفال أو الشيوخ أو حتى المساجد والأضرحة.
التحديات الأمنية والاقتصادية تفرض على الزعماء العراقيين تنحية انتماءاتهم السياسية والمذهبية جانباً، ووضع مصلحة وطنهم فوق كل اعتبار، فالعراق يمر اليوم بمحنة كبيرة يحتاج فيها إلى التفاف أبنائه حول هدف واحد هو كيف يمكن إعادة الاستقرار والأمن إلى أرض الرافدين.
وإلى جانب هذه التحديات، هناك مخاطر أخرى تتمثل في رغبة قوات التحالف في سحب قواتها من المدن الكبرى إلى القواعد أو المعسكرات الخارجية وتسليم الأمن إلى الجيش العراقي الجديد والحكومة الوليدة، فواشنطن ولندن ومن خلال الضغوط الداخلية التي تمارس على إدارتي بوش وبلير، تريدان إيهام الرأي العام الأميركي والبريطاني أنهما ترغبان فعلاً في سحب قواتهما من العراق، وبالتالي نقل مهمة الأمن للحكومة العراقية الجديدة.
الخطوة الأميركية والبريطانية تأتي في ضوء تزايد المعارضة الداخلية لفكرة الحرب على العراق بعد أكثر من ثلاث سنوات على انتهائها وبعد تزايد الخسائر البشرية للدولتين هناك، وفي هذا السياق يمكن فهم الإحصاءات التي كشف عنها الجيش الأميركي والتي أشارت إلى تزايد معدلات الانتحار بين صفوف قواته العاملة بالعراق وأفغانستان من 14 حالة انتحار في عام 2004 إلى 25 حالة خلال عام 2005،
أما في لندن فقد اعتبر 57 في المئة من البريطانيين أن الحرب على العراق كانت خاطئة، مطالبين بسحب قوات بلادهم من العراق بشكل فوري. أمام هذه الأرقام والضغوط تأتي الرغبة الأميركية والبريطانية بأن تتولى الحكومة العراقية مقاليد الأمن وانتشال قواتهما من مستنقع المدن المزدحمة والنأي بها بعيداً،
تجنباً لوقوع مزيد من الخسائر في صفوفها، ولهذا فإن الحكومة العراقية الجديدة مطالبة بالكثير لمواجهة التحديات الصعبة التي تنتظرها، الأمر الذي يحتم على الجميع الارتفاع إلى مستوى المسؤولية ووضع مصلحة وطنهم فوق كل اعتبار آخر.
Haniihanii@Hotmail.com