كان من المفترض أن يناقش كل من معالي وزير الثقافة ومعالي وزير التربية والتعليم يوم الاثنين الماضي في مقر إتحاد كتاب وأدباء الإمارات بفرعه في أبوظبي الأدوار المتبادلة بينهما من أجل صقل وبناء الشخصية الوطنية في ظل العولمة وثورة الاتصالات.
ولكن للأسف لم نتشرف بحضورهما، حيث أعتذر الوزيران في اللحظة الأخيرة، مما سبب لنا إحباطا لأننا قطعنا المسافة من مدينة العين إلى مدينة أبوظبي فقط للقاء بهما ومناقشة رؤاهما حول هذه القضية الهامة والمحورية في وقتنا الحاضر ومعرفة خططهما المستقبلية المتعلقة بالموضوع.
إن طرح السؤال ومناقشة قضية الهوية والثقافة وتعزيز الشخصية الوطنية أصبح مهما وملحا في زمن العولمة. هذا الزمن الذي يعاد فيه النظر بشكل كلي في كل المرجعيات والتوجهات، ويتداخل فيه المحلي والوطني بالإقليمي والعالمي، وتتسارع فيه التحولات في كافة مناحي وأنماط الحياة والتفاعل والأنشطة.
وهذا التسارع الشديد في التحولات على كافة الأصعدة، وبالذات على صعيد المرجعيات الأساسية، يجعلنا أمام حقيقة واحدة، وهي أن نزعة المحافظة على الأمور على ما هي عليه مسألة باتت مستحيلة، وبخاصة على صعيد الهوية والانتماء والثقافة. هذه الحقيقة تطرح علينا سؤالا مهما وهو: ماهو مشروعنا القومي للتنشئة على صعيد الهوية والانتماء في زمن العولمة؟
القراءة الاجتماعية (السوسيولوجية) للواقع تعكس لنا وجود اتجاهين: اتجاه يسعى للانفتاح الكلي والذوبان في الآخر حد التلاشي، وآخر ينحو باتجاه التصلب والانغلاق، وكلا الاتجاهين في الحقيقة لن يقودانا إلا إلى التبدد والضياع، أو التهميش والموت.
حيث ان الانغلاق مهلك وسيحد من عملية التبادل الحيوي، والتي هي أساسية لنمو وإثراء أي نظام. كما ان الانفتاح الكامل، مع خلخلة وضعف الداخل، لن يؤدى إلا إلى التبدد والهلاك في النظام الايكولوجي الأوسع منه.
لذا، فأنني أتصور ان خيارنا الأفضل يكمن في تجاوز هذه الثنائية الضيقة والخطرة في نفس الوقت، كما يكمن في تحررنا من طروحات نظريات التغيير الاجتماعي التقليدية أحادية النظرة والسهمية التوجه ( نسبة للسهم).
فنحن الآن ليس لدينا الخيار في أن نقبل أو نرفض تحولات العولمة، فهي حادثة ونعيشها بشكل يومي. وليس لدينا الوقت للاستمرار في الصراع حول الأصالة والتجديد أو الانكفاء أو الانفتاح، فهذه اليوم كلها طروحات ميكانيكية مجافية وبعيدة عن الواقع. نحن بحاجة لصياغة ووضع إستراتيجيات وآليات بشكل سريع و دقيق تمكننا من التفاعل دون تبدد أو ضعف.
التجارب أثبتت لنا أن الأنظمة التي استطاعت أن تنمو وتحافظ في نفس الوقت على خصوصيتها (مثال اليابان أو الهند أو ماليزيا) هي تلك الأنظمة التي تميزت بقوتها الداخلية وحيوية تفاعلها وانفتاحها على إمكانيات العالم المحيط بها.
تلك الأنظمة التي جعلت نفسها مثل النظام الحي الذي يتفاعل بإيجابية وعقلانية مع بيئته الأيكولوجية المحيطة به والذي يعتمد على الارتهان المتبادل كأسلوب للتفاعل مع العالم المحيط به، فهو يتفاعل بصورة دينامية مزدوجة، وليس أحادية، الاتجاه: يأخذ من العالم المحيط به ويتواءم معه وفي نفس الوقت يمارس عليه التغيير الذي يشبع ويحقق احتياجاته الحيوية.
لا يمكن للانفتاح المطلق أن يثري أي نظام إلا بمقدار مناعة وقوة ومتانة مقوماته الداخلية. وعمود هذه المتانة الداخلية والشرط الوحيد والأساس لضمان ديمومة النمو والارتقاء هي حصانة الهوية والثقافة الوطنية.
إن الهوية والانتماء ليسا فقط الركيزتين الأساسيتين لتكوين الشخصية، بل هما النواة التي تتشكل حولها أية شخصية، وهما المرجعية التي توجه وتحدد سلوكيات الفرد وخياراته الحياتية، وهي التي تتيح له تحديد مواقفه من القضايا العامة المختلفة، كما أنها هي التي تشكل نظرته لذاته وللعالم.
بناء عليه، فإن بناء الهوية والانتماء الوطني يعتبران من الأولويات الملحة في مشروع التنشئة المستقبلية، ويجب على كل من مؤسسات التنشئة الرئيسية، والتي تشكل وزارة التربية ووزارة الثقافة أحد أعمدتها الأساسية، أن تعمل على تفعيل وإذكاء كل المقومات التاريخية والجغرافية والثقافية في مناهجها، إذا كانت تريد أن تخلق أجيالا قادرة على التفاعل العولمي، وعلى إدارة الارتهان المتبادل بشكل جيد.
هناك ضرورة أيضا، إذا أردنا أن ننجح حقا في مشروع التنشئة هذا، أن تركز هذه المؤسسات على تعزيز مقومات المصير المشترك والانتماء العربي بشكل أكثر إيجابية عما كان عليه الوضع السابق.
فنحن لا نريد فقط انتماء شكليا، بل انتماء حقيقيا وقادرا على صيانة الأجيال من خطر الذوبان والتبدد، حيث أن التكتلات العملاقة اليوم لن تتردد في ابتلاع الكيانات الوطنية الصغيرة، وصمودنا الثقافي لن يقوى ويتحقق إلا من خلال الانتماء إلى القومية الكبرى.
ولا ننسى هنا أهمية الهوية الثقافية التي هي القاعدة التي ترتكز عليها الهوية الوطنية، وهي الدرع الحامي الذي يجب دائما الحفاظ عليه وصقله وتنميته، حتى يستطيع أن يقوم بدوره كواق من الخطر الخارجي.
وهنا يتوجب على المؤسسات المعنية تصميم برامج وطنية وقومية مشتركة تعمل على إبراز البطولات التاريخية والقيم التراثية ذات الفاعلية المستقبلية. كما يجب أن تكون هناك مجهودات واعية لإبراز الفنون العربية الإسلامية مثل الخط والزخرفة وفنون العمارة والموسيقى وغيرها، حتى تصبح جزءاً من ذاكرة الأجيال الثقافية، وأحد المرجعيات الأساسية التي تحكم رؤاهم الثقافية للذات والكون.
في هذا المقام، مهم جدا أن اذكر بضرورة رعاية وصون اللغة العربية والتي ابتدأت مؤسساتنا التعليمية تقصيها وتهمشها في مقابل اللغات الأجنبية الأخرى. حيث أنه لا يمكن بناء أو صيانة الشخصية الوطنية بدون صيانة، والمحافظة على اللغة العربية التي هي وعاء القيم الوطنية والحضارة.
ويتعين هنا على مؤسسات التنشئة المعنية ليس دحر اللغة العربية، ولكن تطويرها والعمل على تعزيز قدراتها وإمكانياتها حتى تواكب الإنجازات العلمية المتعاظمة وتكون قادرة على المنافسة والانتشار، وذلك لأن اللغة هي المسؤولة عن الفكر وهي التي توجه رؤانا لذواتنا والعالم من حولنا، وبقدر نموها وارتقائها يكون ارتقاء فكرنا ونظرتنا لذواتنا،
والعكس لا شك صحيح. في مقابل ذلك، يجب أن يتعلم أبناؤنا اللغة الانجليزية، والتي هي اليوم لغة العولمة، ولكن ليس على حساب اللغة الأم، بل أن يمتلكوا ناصيتها كأداة تساعدهم على دخول عالم المعلومات والاتصال والتفاعل مع الآخر، في الوقت الذي يتمتعون فيه بامتلاك ناصية بنيان وبيان لغتهم الأم لأنها هي روحهم، والإنسان يمكن أن يستعير أي شيء ولكن لا يمكن أن يستعير روحا غير روحه ليحيا بها.
جامعة الامارات
albaharm@yahoo.com
