نظمت وحدة الدراسات بمؤسسة البيان للصحافة والطباعة والنشر مؤتمرها السنوي الثاني تحت عنوان «الإعلام المحلي في دولة الإمارات ... رؤى مستقبلية». المؤتمر ناقش محاور مهمة كالإعلام المحلي أمام الفضاء المفتوح والتكنولوجيا، والإعلام المحلي وقضايا التنمية والحرية الإعلامية في دولة الإمارات وتطوير إدارة المؤسسات الإعلامية.

الكلام عن الإعلام في دولة الإمارات يثير عدة تساؤلات وإشكاليات من أهمها: ما هي يا ترى إنجازات النظام الإعلامي بالدولة؟ وهل وصلت هذه الإنجازات إلى مستوى ما أنجزته القطاعات الأخرى؟ هل قام هذا القطاع بالدور المنوط به وهل استطاع أن يكون في مستوى التطورات التي حققتها الدولة في المجالات الأخرى- البنية التحتية،

الاقتصاد، التجارة، الخدمات، السياحة، الزراعة، التعليم، الصحة، المواصلات، الاتصالات...الخ ؟ وما هي مسؤولية المؤسسة الإعلامية والقائم بالاتصال في رفع التحدي والقيام بالدور الإيجابي والفعال للمنظومة الإعلامية في دولة أكدّ فيها كبار المسؤولين عن حاجتهم إلى إعلام كشف الحقائق والاستقصاء وطرح المشكلات بكل شجاعة وجرأة.

المسؤولون أكدوا أمام الملأ أنهم ليسوا بحاجة إلى إعلام التملق والتسبيح والمدح وثقافة «كل شيء بخير وعلى أحسن ما يرام». إن الفجوة كبيرة ما بين الواقع الاقتصادي والحضاري ومختلف الإنجازات التي حققتها دولة الإمارات وواقع النظام الإعلامي فيها.

فالكثير ينتقد ويرى أن إعلام دولة الإمارات العربية المتحدة إعلام بدون هوية ولا رؤية ولا استراتيجية، إعلام يتمتع بالإمكانيات والوسائل لكن تنقصه الرسالة المنتقدة والهادفة والساهرة على مصلحة الشعب والأمة.

فالمؤسسة الإعلامية ليست فقط توزيع وإعلانات وأرباح، لكن قبل كل ذلك هناك رسالة، هناك هدف، هناك مسؤولية كبيرة جدا يجب القيام بها على أحسن وجه. الإعلام هو الفكر، هو الرأي العام، هو الذاكرة الجماعية للأمة.

تنعم دولة الإمارات العربية المتحدة ببنية تحتية إعلامية واتصالية ممتازة تعد من الأحسن على مستوى الوطن العربي وباقي الدول النامية. كما تنعم بإنفاق إعلاني يقارب المليار دولار سنويا، يضع دولة الإمارات العربية المتحدة في المرتبة الثانية على مستوى الدول العربية، هذه مؤشرات كلها تبشر بالخير،

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل البنية التحتية والإمكانيات المادية تكفي لوحدها لإيجاد منظومة إعلامية قوية؟ ماذا عن المحتوى، وماذا عن الرسالة؟ وماذا عن الكادر البشري؟ ماذا عن القضايا المحلية؟ ماذا عن الحوار والنقاش والرأي والرأي الأخر؟

ماذا عن الحرية الإعلامية وعن قانون النشر والمطبوعات؟ ماذا عن المجتمع المدني والرأي العام في البلد؟ ماذا عن تفاعل الشارع مع صانع القرار؟ أسئلة يجب الوقوف عندها بتأن وبجدية كبيرة ويجب مناقشتها بكل شفافية وشجاعة وصراحة إذا أردنا أن يكون الإعلام في دولة الإمارات إعلاما فاعلا مؤثرا ومنبرا للحريات والأفكار والآراء والانتقادات الجريئة والبناءة.

إعلام يكون هدفه مواكبة ما يحدث ويجري في البلاد وليس التسبيح والمدح والإشادة. إشكالية حرية الصحافة والخطاب الإعلامي وقانون المطبوعات والنشر مواضيع طُرحت ومازالت تُطرح في الدولة بصراحة وجرأة وموضوعية بين الرأي العام وكبار المسؤولين.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو هل هناك فجوة ما بين الخطاب الإعلامي والواقع وهل هناك جرأة وشجاعة في طرح المشكلات والتجاوزات العديدة التي يعاني منها المجتمع؟ والسؤال الاستراتيجي الذي يطرح نفسه في هذه المعادلة هو القائم بالاتصال

وهل إذا كان هذا الأخير ( 80% من الإعلاميين في الدولة هم من الوافدين) باستطاعته أن يقوم بدوره كما ينبغي بدون رقابة ذاتية وحذف ذاتي وخوف...الخ. والبديل هنا إذن هو التفكير في الكادر المواطن.

اهتمت القيادة السياسية في دولة الإمارات في السنوات الأخيرة اهتماما بالغا بموضوع توطين الوظائف بالدولة وبإشراك العنصر المواطن في مختلف القطاعات والمجالات خاصة القطاع الخاص.

بالنسبة لوسائل الإعلام يكتسي الموضوع أهمية بالغة لأن الرسالة الإعلامية هي قبل كل شيء منتج فكري وسياسي وأيديولوجي وثقافي واجتماعي، وهذا يعني أن القائم على إنتاج هذه البضاعة الفكرية التي تقدم للرأي العام الإماراتي محليا

والتي تقدم للرأي العام جهويا وإقليميا ودوليا باسم دولة الإمارات العربية المتحدة يجب أن يحمل بصمات وإمضاءات العنصر الإماراتي بكل ما تحمله الكلمة من معنى سواء من حيث المحتوى أو اللكنة أو اللباس أو المظهر أو المخزون اللغوي واللساني...الخ،

هذا يعني أن نعطي الفرصة لابن الإمارات لخوض التجربة الإعلامية والصناعة الإعلامية، أمر لا جدال حوله، وان التطور الذي شهدته دولة الإمارات العربية المتحدة في مختلف المجالات يجب أن يرافقه تطور على مستوى الطاقات والكوادر البشرية المواطنة.

كما يجب كذلك إيجاد معادلة صحية وصحيحة ما بين خريجي الجامعات ومختلف الكليات من جهة والقطاع المستخدم سواء كان عاما أو خاصا من جهة أخرى. كما لا ننسى أن مخرجات وسائل الإعلام تلعب دورا استراتيجيا في صناعة وتشكيل الرأي العام، وهذا يعني أن صناعة الرأي العام الإماراتي يجب أن يشرف عليها أبناء وبنات البلد من المؤهلين والمتمرسين والأكفاء.

إن عملية توطين وظائف الإعلام بالدولة تتطلب خطة محكمة ومدروسة من قبل المؤسسات التي تكوّن الكوادر الإعلامية والمؤسسات الإعلامية التي تستخدم هذه الكوادر. إن المؤسسة الإعلامية وضمن خطة التوطين من واجبها أن توّفر التدريب العملي للطالب الجامعي وتعمل على استقطابه للعمل لديها،

كما أنه من واجبها تنظيم دورات تدريبية من فترة إلى أخرى للقائمين بالاتصال القدماء منهم والجدد وهذا لمواكبة التطورات التكنولوجية والنظرية في المجال الإعلامي وثورة الاتصال والمعلومات.

من جهة أخرى يجب على الطالب أو الطالبة الجامعية أن تلتزم بالمؤسسة الإعلامية التي تسهر على تدريبها بعد الالتزام بحب المهنة والتفاني من أجلها. فعملية التوطين إذن تتوقف على التزام المؤسسة الإعلامية سواء كانت عامة أو خاصة في وضع برنامج وخطة واضحة المعالم تحدد فيها احتياجاتها من الأطر والكوادر الصحافية على المدى القصير والمتوسط والبعيد

وما هي استراتيجية استقطابها للعناصر الجامعية وكيفية تدريبها وتكوينها للقيام بالواجب كما ينبغي. فالعملية تعتبر التزاما واستثمارا من قبل المؤسسة الإعلامية لإنجاح عملية الإحلال والتوطين على المدى القصير والمتوسط والبعيد

لقد حان الوقت للوقوف عند الصناعة الإعلامية في الدولة لدراسة الوضع ولتحديد نقاط القوة والضعف ومن ثمّة وضع رؤية واستراتيجية واضحتي المعالم لمعرفة ماذا تريد السلطة من وسائل الإعلام بالضبط؟ وماذا تريد المؤسسة الإعلامية بالتحديد؟

وماذا يريد الصحافي من مهنته ومؤسسته؟ وماذا يريد المشرع من القوانين والتشريعات؟ وماذا تريد جمعية الصحافيين من المهنة ومن المنظومة الإعلامية ككل؟ وأخيرا ماذا يريد الشارع من النظام الإعلامي في البلد؟ الإجابة عن هذه الأسئلة بكل شجاعة وبكل صراحة وبكل وضوح تفتح الباب على مصراعيه بعد القيام بالبحوث والدراسات الميدانية لاستشراف المستقبل

ووضع استراتيجية محكمة، مدروسة ومنهجية تكون في مستوى النمو الاقتصادي والإنجازات الكبيرة والمشاريع الضخمة التي حققتها دولة الإمارات العربية المتحدة والتي خططت لإنجازها في المستقبل.

كلية الاتصال

جامعة الشارقة