يبدو الوضع الفلسطيني الداخلي وكأنه صار أسير الانزلاق إلى المحظور. بقصد أو بغير قصد، هو يسير نحوه ويقترب من مصيدته القاتلة. والخشية أن يكون قد صار غير قادر على لجم الاندفاع في هذا الاتجاه. فالتطورات الحاصلة على الأرض، خاصة في غزة، بين «فتح» و«حماس» تشير مع الأسف إلى أن الأمور بين الجانبين آخذة في التدهور الخطير.
قواتهما نزلت إلى الشارع، تحت ذرائع ضبط الأمن في ظل القانون. لكن من مواقع متنافرة ووسط حالة احتقان بلغت نقطة التحدي المتبادل وبالسلاح. وإذا كان من المفهوم أن تصل الخلافات بين خطين سياسيين إلى تخوم الاحتكاك أحياناً؛ فإنه من غير المفهوم أو المقبول ولا المعقول أن يبلغ الصراع السياسي الفلسطيني حدود اللعب بالنار. وبالذات في هذه اللحظة الدقيقة والمصيرية التي يعيشها ويواجها الشعب الفلسطيني وقضيته.
وزير الداخلية، أعلن بعد تشكيل الحكومة عن عزمه تشكيل قوة إسناد للشرطة، لتمكينها من ضبط الأمن والفلتان. رأى أن قوات الأمن في وضعها الراهن غير قادرة على القيام بهذه المهمة وتحتاج إلى مؤازرة. كما رأى أن الإقدام على هذه الخطوة هو من صلب صلاحياته القانونية. جرى على الأثر إعداد قوة من نحو ثلاثة آلاف رجل، من عدة فصائل.
رئيس السلطة الفلسطينية سارع إلى رفض الإجراء وإصدار قرار بإلغائه، على أرضية أنه غير قانوني وأن مثل هذا التدبير هو من صلاحياته وليس وزير الداخلية. أصر هذا الأخير ومضى في الإعداد. وأمس الأول نشر القوة الجديدة في الشارع الغزاوي. رد رئيس السلطة بإعطاء الأوامر لقوات الأمن بالانتشار في القطاع والقيام بالمهام الأمنية لوحدها حصراً. يعني ذلك منع «الإسناد» من ممارسة أي دور أمني.
المسألة هنا ليست مسألة صلاحيات أو أمن؛ على أهميتهما. بل هي في الخطورة التي ينطوي عليها مشهد استعراض القوة ـ أو هكذا بدا ـ في ساحة محشوة بالألغام. خاصة وأن هذا التحدي المتبادل قد أتى في سياق علاقات متوترة منذ زمن. ثم ارتفعت حرارتها بعد الانتخابات وتشكيل الحكومة؛ لتصل إلى درجة الغليان، في الآونة الأخيرة فلا يكاد يمر يوم من غير احتكاكات مسلحة، بين الفريقين. وفي اليومين الأخيرين سقط قتلى من بينهما وجرت عمليات اختطاف.
كلها إشارات ومعطيات تقول ان الصراع السياسي الدائر بينهما قد خرج عن خطه ودخل حلبة الصراع بالعضلات. ويعرف الفلسطينيون أن الحسم بهذه الطريقة كان دوماً من الممنوعات بل المحرمات في قاموسهم الوطني، كما يعرفون من تجارب غيرهم، بأن مثل هذا الخيار لا رابح فيه.
الكل خاسر، وحسبهم يدركون أيضاً بأن المشي في هذا الطريق كمن يمشي على قشور الموز، فهو محكوم بالانزلاق والوقوع، ولا تشفع النوايا بعد ذلك ولا يعود ينفع الجدل حول من كان يطبق القانون أو يعمل بموجب الصلاحيات. كل ذلك لن يبقى له قيمة. بعد وقوع الواقعة وخراب البصرة تصبح القوانين والصلاحيات هي الأخرى ضحايا، كغيرها، لنيران الفتنة الأهلية.
والأنكى أن الفلسطينيين، من مختلف ألوان الطيف السياسي يدركون تمام الإدراك أن الاشتباك الأهلي هو مطلب إسرائيلي عتيق وثابت وأن المستفيد الأول والأخير منه؛ إذا حصل لا سمح الله، هو المشروع الصهيوني وخططه الاقتلاعية التوسعية.
صحيح أن حبل الأمن فالت في الأراضي الفلسطينية. ولا شك أن ضبطه حاجة ماسة. كن المؤكد أن الضبط في مثل هذه الساحة لا يتحقق على يد رجل الشرطة بل عبر الحوار السياسي المؤدي إلى وحدة وطنية. إلا اذا كان الانتحار هو الخيار.