التقيت بصديق عراقي لم أره منذ أن عاد إلى بغداد بعد دخول قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة وسقوط نظام صدام حسين.كان صديقنا من المعارضين الهاربين من القتل والتنكيل أيام الديكتاتورية الطاغية المستبدة وتسيد الحزب الواحد المتفرد بكل شيء.
قلت له لقد تحررتم وتخلصتم من الهم الجاثم على قلوبكم، ويبدو انك مرتاح في حياتك الجديدة في معشوقتك بغداد، يبدو عليك ذلك، حتى أن وزنك قد زاد. نظر إلي ثم صمت لحظات، وعندما تكلم لم يسكت إلا بعد ساعة كاملة، اخرج كل ما في جوفه، وهو غير قادر على كتم الآهات ما بين الجملة والأخرى.
قال نعم تخلصنا من صدام، وتخلصنا من البعث، ولكن صنع لنا العشرات الذين يمكن أن يكونوا صدام في أية لحظة، والحزب أصبح أحزابا، والأحزاب تحالفت وتقاسمت المناصب والأدوار، وكل واحد منها أخذ قسمته من «الكعكة»، كل واحد له وزارة تبيض ذهبا، هذا يأخذ النفط، وذاك الدفاع، والآخر للداخلية، وهكذا تكاثرت نماذج صدام، وتم «تفريخ» نماذج أخرى من عدي وقصي.
وتخلصنا مع قوات «الخلاص» من آمالنا الكبيرة التي كانت معقودة على العراق الجديد، العراق الديمقراطي المسالم والمتصالح مع نفسه، وبذرت بذرة الاقتتال الطائفي والذبح بحسب الهوية والانتماء.
وتحررنا من التعايش اللا مذهبي، وعرفنا التهجير بالتهديد أو التفجير، وأصبحنا نعرف سياسة تنظيف المناطق، وأصبحت لدينا «مستوطنات» خالصة لهذا المذهب أو ذاك.
وتخلصنا من الكهرباء التي ما عادت تصل إلى بيوت بغداد العاصمة وليس المدن الصغيرة أو القرى سوى نصف ساعة في اليوم الواحد، وهذا تحرير من نوع آخر، من أضرار المكيفات و«تنبلة» التلفزيونات، وفساد المثلجات في البرادات.
وتخلصنا من المياه المعالجة التي كان تسمى نظيفة، فمن كان قريبا من النهر غرف منه، ومن كان يعرف مستنقعا زود أسرته بمياهه، انها مياه طبيعية حررتنا من الكلور وغيره.
وتخلصنا من اللحوم بكل أشكالها، البيضاء والحمراء، ومعها الأسماك، بتنا لا نعرفها، ولهذا نحن لا نخاف من النقرس أو إنفلونزا الطيور، وهذه حرية ما كنا نعرفها من قبل.
وتخلصنا من «الصياعة» والجلوس على مقاهي «أبونواس»، تحررنا من الحركة والانتقال من مكان إلى آخر، فإن خرجنا من بيوتنا مضطرين تمتمنا بالشهادة فقد لا نعود، قد تأخذنا سيارة مفخخة في طريقها، وقد يفتتنا حزام ناسف يلبسه جاهل مخدوع.قلت له يكفيك ما تخلصت منه، ومبروك علينا جميعا هذا التحرير، واخبرني عن نفسك قليلا.
قال أريد أن أعيش خارج «الخلاص»، خارج العراق