قبل سقوط نظام صدام حسين اعتاد الإعلام الغربي تسمية العراق ب«جمهورية الخوف»، وهناك مقولة عربية شعبية رائجة تسميه «أرض الشقاق»، وسماه الروائي العربي الكبير عبد الرحمن منيف «أرض السواد» في ملحمة أدبية حملت هذا العنوان المقبض.
اليوم بات العراق «جمهورية رعب» بعد أن تردت أحواله الأمنية إلى حد لم تعرفه بلاد الرافدين من قبل، فلا حكومة بوسعها ضبط الأمور ومنع القتل وتجفيف المنابع التي تتدفق منها أنهار الدم،
ولا قوات الاحتلال بإمكانها أن تحمي العراقيين المسالمين من الموت المحقق الذي يحلق فوق رؤوسهم ليل نهار، بل ليس بمقدور الأميركان وحلفائهم في العراق أن يحموا أنفسهم من المقاتلين البعثيين والمنتمين إلى تنظيم «القاعدة في بلاد الرافدين» ومناصريه.
في أيام صدام كانت الحريات العامة غائبة، والمعارضة السياسية مستحيلة، وكان من يتمرد على هذا الوضع يلقى حتفه على الفور، وفي الوقت نفسه لم ينج العراقيون من هلاك الحرب، فكانت الصواريخ الإيرانية تسقط على أسواق بغداد ومقاهيها ومنشآتها، فتحصد كل مرة عشرات الأرواح.
وبعد خطأ صدام وخطيئته بغزو الكويت انهمرت على رؤوس العراقيين قذائف الصواريخ والطائرات من كل ناحية، ولما وضعت الحرب أوزارها وجدوا أنفسهم تحت وطأة الحصار الاقتصادي، الذي انتهى بحرب شاملة، وقع إثرها العراق في فخ الاحتلال.
ومن لا يمعن النظر في مقارنة ما يجري الآن بما حدث للعراقيين بالأمس البعيد يعتقد أن الوضعين متشابهان إلى حد كبير، وأن ما فيه أهل العراق حاليا لا يختلف عما جربوه وألفوه من قبل. بل يصل الأمر بالبعض إلى القول إن حال العراقيين بعد الاحتلال أفضل بكثير من حالهم قبله، لأنهم على الأقل يتحدثون الآن في السياسة، ينتقدون الحكومة وقوات الاحتلال، عيانا بيانا، من دون خوف، ولا ملاحقة.
لكن هذه مقارنة غير دقيقة لسببين رئيسيين، الأول هو أن العراقيين في الماضي كان بوسعهم أن يحددوا الجهة التي تستهدفهم، دولة مثل إيران أو دول مثل التحالف الذي أجبر صدام على الخروج من الكويت، أو حتى نظام صدام نفسه بتجبره وطغيانه.
وكان تحديد «العدو» تقابله حال من التكتل ضده، وبالتالي كان الشعب العراقي بمختلف طوائفه وشرائحه يتأزر ويتكاتف في مواجهة الخطر. أما اليوم فإن العراقيين لا يعرفون على وجه الدقة من يستهدفهم، أو أنهم منقسمون حول تحديد «العدو الحقيقي»، فالبعض يراه في قوات الاحتلال،
والبعض يراه في البعثيين، الذين يقاتلون من أجل استرداد مجدهم الضائع، وهناك من يراه في المقاتلين الغرباء المنضوين تحت لواء «تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين»، بل يوجد من يشكك في نوايا قطاع من «النخبة» العراقية الحالية، ولا يرى فيهم سوى أنهم تجار سياسة، أو أداة للاحتلال، لا تهمهم سوى المناصب، التي تمنحهم المكانة والثروة.
وهذا التوزع والاختلاف حول تحديد هوية من يستهدف أمن العراق ومستقبله، يجعل العراقيين منقسمين نفسيا ومصلحيا، وبالتالي يصبحون أكثر هشاشة في مواجهة الخطر، وأقل استعدادا للعمل ضده، وأوسع استسلاما ليد العنف الباطشة التي تحصد كل يوم عشرات الأرواح من صفوف المدنيين الأبرياء.
أما السبب الثاني فإن الحرية التي نالها العراقيون لا تعدو أن تكون مجرد «حق صياح». فبوسع أي عراقي أن ينتقد الحكومة، ويهاجم لفظيا قوات الاحتلال، وسياسة واشنطن ولندن،
لكن ليس بمقدوره أن يتحرك بحرية كافية في الشارع السياسي ليعبئ الناس لصالح تنظيم سياسي سلمي يقوم على مناهضة المحتل، جهارا نهار، وإزاحة التصورات الراهنة للنخبة العراقية الحاكمة، والمتحلقة حول الحكم.
وهناك تيار كامل، لديه أنصار لا يستهان بهم، محروم من ممارسة السياسة، قولا وفعلا، وهو حزب البعث، الذي يتعرض أتباعه لمعاملة قاسية ومطاردة تناظر تلك التي كان يطبقها نظام صدام حسين مع خصومه السياسيين.
وهناك أيضا إجراءات عقابية اتخذتها قوات الاحتلال والأمن العراقي وصلت في قسوتها وفجاجتها إلى حد يطاول ما كان متبعا أيام حكم صدام بل يتجاوزه في بعض الأحيان.
وبالأمس لم يكن باب الأمل موصدا أبدا أمام إمكانية إزاحة نظام سياسي مستبد بسواعد عراقيين شجعان، عبر اغتيال القيادة السياسية أو موتها الطبيعي أو من خلال هبة شعبية لا يكون بوسع صدام أن يقمعها لضعفه وقوتها.
أما اليوم فإن الأمل يتضاءل تدريجيا في الاحتفاظ بالعراق نفسه، دولة موحدة ومستقرة، وفي الوقت نفسه يتضاعف الخوف ويشتد من الإرهاب وبطش الاحتلال والمستقبل المجهول للدولة العراقية، ليصير رعبا لا حدود له.