عادت الحيوية إلى الشارع الكويتي بعد تحرك شبابه مطالبين بتعديل الدوائر الانتخابية الخمس والعشرين بتقليصها إلى خمس دوائر، وألقى الشباب اليافع المتشح بلون البرتقال وبأعلام الوطن صخرة كبيرة في بركة الحياة السياسية الكويتية الراكدة منذ فترة طويلة،
ووضع هؤلاء الشباب بخطابهم القوي وبمطلبهم المحدد سقفاً لعملية الإصلاح برمتها. وأشهد أنني لم اسمع في حياتي خطاباً أقوى من ذلك الذي سمعته من حناجر هؤلاء الشباب في هذه الأيام.
فقد شاركت في تجمعات «الاثنين» كلها، وهي التجمعات التي نظمتها القوى السياسية في العام 1990 بقيادة 32 نائباً من نواب مجلس 1985 الذي حلته الحكومة في العام 1986 تلك التجمعات التي كانت تنادي بعودة المجلس والعمل بدستور 1962، أقول لقد شاركت في جميع تلك التجمعات مشاركة فاعلة،
بيد أنني لم أسمع قط كلاماً قاسياً ومباشراً يمس رموز النظام وبالاسم. وهذا بحد ذاته تطور خطير يجب الوقوف عنده طويلاً.فهو يدل على مبلغ ضيق هذا الجيل الصاعد بما يراه حوله من فساد في العملية السياسية،
إذ كيف يكون مجلس الأمة عقبة في سبيل التطور لولا تلك الآلية المتمثلة بتوزيع الدوائر الانتخابية التي تسمح بنجاح نواب هم بمنزلة «المراسلين». ثم يرى بأم عينه عمليات تزوير الإرادة الشعبية عن طريق نقل الأصوات والانتخابات الفرعية وشراء الأصوات التي تتم على مرأى ومسمع السلطة دون أن تحرك ساكناً ودون أن تقوم بتطبيق القانون الذي يجرم كل تلك الممارسات!!
ولاشك أن هؤلاء الشباب ليسوا في جزيرة نائية ليكونوا بمعزل عن ما يجرى حولهم من تحولات ديمقراطية ومن مكاسب تحققها الشعوب بالفعل الجماعي، ولعل رداؤهم البرتقالي خير دليل على ذلك.وقد فرض تحرك هؤلاء الشباب وخطابهم القوي واعتصامهم طوال ليل الرابع عشر وصباح الخامس عشر أمام مجلس الأمة، فرض إيقاع الجلسة التاريخية لمجلس الأمة التي عقدت في الخامس عشر من هذا الشهر.
وهي جلسة تاريخية بكل معاني الكلمة ومنعطف في تاريخ الحياة السياسية. إذ انسحب من الجلسة 29 نائباً ومنع الجمهور بهتافاته الحادة عملية التصويت على تقديم مشروع العشر دوائر للمحكمة الدستورية لوجود شبهة دستورية فيه. وقد سبق هذا الانسحاب كلمات حادة خرجت عن مألوف الكلمات التي عادة ما تلقى في جلسات المجلس وتتناول مختلف القضايا.
ولعل الظاهرة الجديدة في تلك الجلسة هي التعرض لبعض أقطاب النظام بالاسم ومناشدة الوزراء الشعبيين بالاستقالة!!وحماس الشباب للدفاع عن الديمقراطية وتطويرها عبر المطالبة بتقليص الدوائر إلى خمس يذكرني بعزيمة الشباب في الثاني من أغسطس العام 1990 حينما داهمتنا قوات صدام حسين الغازية فكان الشباب من الجنسين يقول: ما العمل؟
وسرعان ما تنظم شباب الكويت في الأحياء والجمعيات التعاونية وفي تنظيمات المقاومة وأداروا البلد إدارة ذاتية في ظل غياب الشرعية، التي تمسكوا بالولاء المطلق لها، ورفعوا اسم بلدهم عالياً بتضحياتهم كشهداء وأسرى وصامدين، فاستحقوا بذلك إعجاب العالم.
وإذا جاز لنا أن نقارن بين تجمعات الاثنين المشهورة التي حدثت قبيل الاحتلال العراقي للكويت في العام 1990 والتحركات الجماهيرية الحالية فإننا نستطيع القول:ان الحركة الأولى كانت تدعو إلى إعادة العمل بالدستور وإرجاع الحياة البرلمانية، في حين أن الحركة الجديدة تدعو إلى تطوير الحياة البرلمانية والديمقراطية الكويتية على وجه العموم بتقليص الدوائر الانتخابية إلى خمس دوائر.
إن ممثلي القوى السياسية في مجلس الأمة للعام 1985 كانوا نواة التحرك ثم أصبحوا بمرور الوقت 32 نائباً، أما التحرك الحالي فهو مزيج من نواب المجلس والقوى السياسية مع كتلة شبابية فاعلة.
إن التحرك الأول جاء في غياب المجلس وفي ظل حالة طوارئ وفي أعقاب الحرب الإيرانية العراقية الطويلة التي كان لها أثر سيئ على المجتمع الكويتي وعلى وجه الخصوص في بروز الطائفية بحدة، أما التحرك الحالي فإنه يتم في ظل أجواء الحرية وفي ظل تغير النفسية الكويتية وبروز التلاحم، وفي ظل وقفة الكويتيين مع الشرعية في أحلك الظروف.
إن الظروف الدولية والإقليمية قد تغيرت، ففي العام 1990 كان الدكتاتور صدام حسين في أوج قوته، وكانت بداية لانهيار الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية، أما في وقتنا الراهن فإن التغير الذي حدث في العراق وفي منطقتنا الخليجية بل وفي العالم كله ينحو صوب حكم القانون والتمثيل الشعبي.
إن الحركة الأولى فشلت في تحقيق أهدافها، فقد تمخض «الحوار» بين السلطة والقوى الشعبية إلى تشكيل «المجلس الوطني» وهو مجلس غير شرعي، في حين أن التحرك الحالي قد أتى بنتائج سريعة وهو وعد قطعه رئيس مجلس الوزراء بأن تكون انتخابات 2007 حسب الدوائر العشر أو أي رأي يستقر عليه أعضاء المجلس.
أخيراً لا بد من القول ان تحرك الشباب ومن خلفهم النواب يجب أن يوجه لتطوير النظام الانتخابي في الكويت والذي تراكمت عليه السلبيات بل الخروقات، كنقل الأصوات والانتخابات الفرعية وشراء الأصوات، وهي ممارسات تؤدي إلى تزوير إرادة الشعب وتفرز نواباً للخدمات بمقام «المراسلين» بدلاً من أن تؤدي إلى بروز نواب يقومون بالتشريع والرقابة.
كاتب كويتي
alyusefi@hotmail.com