نقف الآن في العالم العربي أمام أسلوب جديد من الأساليب السياسية «المبتكرة» التي ستستخدمها الولايات المتحدة لممارسة الضغط السياسي ضد الدول العربية، وغير العربية، لا سيما تلك التي لا ترتبط معها بعلاقات جيدة.
هذا الأسلوب الجديد من نوعه في تاريخ العلاقات الدولية تجسد في مشروع القرار الذي قدم لمجلس الأمن في الأمم المتحدة قبل أيام من قبل الإدراة الأميركية وحلفائها الفرنسيين والبريطانيين، والذي يطالب سوريا بإقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع لبنان وترسيم الحدود المشتركة بينهما.
كما يطالب مشروع القرار أيضاً دمشق وكافة الأطراف المعنية بوقف تدفق السلاح إلى داخل الأراضي اللبنانية بما يتفق مع القرار 1559 الرامي لنزع سلاح حزب الله والفصائل الأخرى في لبنان.
وقد أكد المندوب الأميركي الدائم لدى مجلس الأمن، جون بولتون، على ضرورة صدور مثل هذا القرار في مجلس الأمن قائلا إنه «أساسي لإجبار سوريا على عدم إنكار استقلال لبنان». كما أكد أنه سيسعى إلى إقناع الدول الأعضاء في مجلس الأمن وتحديداً روسيا على عدم رفضه عندما يتم التصويت عليه في الأسبوع المقبل.
وبالتزامن مع هذه الجهود الأميركية رفع تيري رود لارسن تقريره الثالث حول الشأن اللبناني إلى الأمين العام للأمم المتحدة، كوفي أنان، وموجزه أن «بعض القرار 1559 لم ينفذ خصوصاً ما يتعلق بحل الميليشيات اللبنانية، ونزع سلاحها وبسط سلطة الحكومة على كل الأراضي اللبنانية، والاستعادة الكاملة للسيادة ووحدة الأراضي واستقلال لبنان لا سيما من خلال إقامة علاقات دبلوماسية طبيعية وترسيم الحدود بين سوريا ولبنان».
وقد اعترضت سوريا في رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة ، كوفي أنان، على صدور مثل ذلك القرار، محذرة أن ذلك قد يؤدي إلى تعقيد الأمور على قاعدة أن العلاقات بين القطرين الشقيقين سوريا ولبنان لا تحتاج إلى تدويل وأن ما يحاول مجلس الأمن عمله قد يعرقل تصفية الأجواء بين البلدين. مقابل ذلك،
أكد وزير الخارجية السوري وليد المعلم أن بلاده تقبل من حيث المبدأ فكرة فتح سفارة لها في العاصمة اللبنانية بيروت، ولكنه ربط فتح السفارة بتوفر الوقت والظروف الملائمة لذلك،
أما بخصوص تقرير السفير لارسن فقد أكدت دمشق بأن إقامة علاقات دبلوماسية وتحديد الحدود بين سوريا ولبنان هي خارج اهتمامات لارسن ومشاغله والقرار 1559، وأن هذه المسائل تحل عبر الحوار الثنائي بين البلدين.
إن الرفض السوري لمثل هذه الضغوطات شرعي ومشروع ومحق لأن طبيعة ونوع العلاقات الثنائية بين أي دولتين يتم تحديدها عبر المفاوضات الثنائية المباشرة وليس عبر تدخل مجلس الأمن الدولي الذي يفترض به أن يتناول قضايا دولية أكثر أهمية وخطورة مثل اندلاع الحروب الإقليمية
وانتشار الفقر والأمراض وهيمنة الدول القوية على مقدرات وثروات الدول الضعيفة والتعليم والحريات، والأهم من هذا وذاك، هو التطبيق الكامل لجميع القرارات الدولية المتعلقة بالصراعات وتحرير الشعوب من ظلم الاحتلال.
فهل يعتقد مثلاً السيد كوفي أنان أوالسفير لارسن أن المشكلة الأساسية بين سوريا ولبنان تكمن في أن دمشق لا تريد إقامة علاقات دبلوماسية مع لبنان لأن الأولى تطمح في ضم الأخيرة لتصبح جزءاً من الجغرافيا والسيادة السوريتين؟ أم أن الأمر مختلف تمام ومرتبط ارتباطاً وثيقاً بالاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية والفلسطينية والسورية في آن واحد.
وعلى افتراض أن العلاقات الدبلوماسية قائمة بين البلدين العربيين الشقيقين وأن هواجس بعض الأطراف اللبنانية والدولية حول الاستقلال اللبناني والسيادة اللبنانية والمستقبل اللبناني تبخرت وذهبت مع الريح،
كيف سيكون موقف هذه الأطراف «القلقة» و«الخائفة» من ملفات أكثر تعقيداً وتهديداً لمستقبل لبنان كاحتلال إسرائيل للأراضي اللبنانية ومشكلة الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية والتهديدات العسكرية الإسرائيلية اليومية للشعب اللبناني ومسألة المياه اللبنانية التي تطمع إسرائيل في شرعنة سرقتها وأخيراً استمرار مشكلة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.
لقد زار رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة واشنطن قبل أسابيع قليلة ولم يسمع أحد عن تصريح أميركي واحد يطمئن الشعب اللبناني في أن الإدارة الأميركية ستعمل على إقناع حليفتها إسرائيل بالانسحاب من الأراضي اللبنانية أو حتى بوقف اعتداءاتها اليومية على الاستقلال اللبناني والسيادة اللبنانية والكرامة اللبنانية.
لقد عاد الرئيس السنيورة من رحلته الأميركية بالكثير من الحلاوة الكلامية والقليل من الوعود الجادة. لقد سمع الرئيس السنيورة وعوداً بعدم عقد صفقة أميركية مع سوريا على حساب لبنان، وممارسة الضغط على سوريا لإقامة علاقات طبيعية مع لبنان، ورفض أي تدخل خارجي في أمور لبنان الداخلية للتلاعب بتركيبته الهشة،
ودعم الحوار اللبناني - اللبناني، وتشجيع الدور الذي تقوم به بعض الدول العربية الرئيسية في المنطقة للاستمرار في دورها التوفيقي المتوازن لبنانياً وعربياً. ولم يسمع الرئيس السنيورة أي شيء بخصوص السياسات الإسرائيلية تجاه لبنان تحديداً.
بل أكثر من ذلك، لقد سمع الرئيس السنيورة كلاماً جاداً من وزيرة الخارجية الأميركية، كوندوليزا رايس، حول ضرورة تطبيق القرارين الدوليين 1559 و 1595، والذين يسعيان إلى تفكيك المقاومة اللبنانية ومصادرة أسلحتها، وهذا هو الهدف الأساسي والوحيد من وراء كل هذه القرارات الدولية والاهتمام الأميركي بلبنان.
إن ما تسعى إليه واشنطن ومن ورائها تل أبيب بشكل واضح وصريح هو تحييد لبنان عن موضوع الصراع العربي - الإسرائيلي وجره إلى قائمة الدول العربية التي تقيم علاقات «حارة» أو «باردة» مع إسرائيل، وصولاً إلى تشديد الخناق على المسارين السوري - الإسرائيلي والفلسطيني - الإسرائيلي لتحقيق مكاسب استراتيجية لصالح إسرائيل.
بل إن المسعى الأميركي لتمرير مشروع القرار المتعلق بالعلاقات السورية - اللبنانية سيؤسس لسابقة خطيرة جداً في مفهوم العلاقات الدولية إذا ما تم تبنيه في الأيام القليلة المقبلة،
وذلك لأن هذه السابقة الدولية والمصبوغة بالشرعية الدولية سيتم تبنيها لممارسة الضغوط السياسية والدبلوماسية على دول عربية أخرى لإقامة علاقات طبيعية مع دول لا تحترم القوانين والشرعية الدولية، كإقامة علاقات مع إسرائيل.
لذلك لابد من تحرك عربي وإسلامي لاحتواء الخلافات السورية - اللبنانية لا سيما بخصوص ملف العلاقات الدبلوماسية قبل صدور القرار ولإزاحة الحجج الأميركية لاستصدار مثل هذا القرار، وهذا التحرك يصبح ملحاً إذا ما أرادت الدول العربية الالتزام بنصوص وقرارات المبادرة العربية التي حددت الأسس والآليات لإقامة علاقات مستقبلية مع إسرائيل.
كاتب وباحث سياسي
isam997@hotmail.com
