تأمل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا أن إعلان محمود أحمدي نجاد رئيس إيران في ابريل الماضي عن أن إيران أنتجت يورانيوم مخصباً من منظومة اسطوانات الطرد المركزي المؤلفة من 164 اسطوانة، سوف يقنع روسيا والصين بقبول فرض عقوبات اقتصادية ضد طهران.
لكن المفارقة هي أنه بينما يجعل تقدم إيران النووي ولغة أحمدي نجاد الحادة هذه المهمة أسهل، فإن فرص إجهاض طموحات إيران النووية في نهاية المطاف تصبح ضئيلة. وفيما يتحدث مجلس الأمن عن تفاصيل العقوبات الاقتصادية، تقوم إيران بحفر الأنفاق.
في 18 ابريل الماضي التقى ممثلو الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن، بالإضافة إلى مندوب ألمانيا في موسكو لمناقشة خيار فرض عقوبات اقتصادية. مثل حظر السفر على القيادة الإيرانية، وتجميد الأصول المالية الدولية التي تملكها إيران.
ولقد اكتسبت المحادثات زخماً جديداً بعد الإعلان عن تقدم إيران نووياً وتصعيد لغة التحدي التي يتحدث بها أحمدي نجاد.لكن الأمل بأن ترغم الوحدة الدولية الجديدة إيران أخيراً على التخلي عن برنامجها النووي هو أمل ليس في محله.
أولاً، إن الوحدة الحقيقية هي على الجانب الإيراني. فليس هناك ما يشير إلى وجود أي خلاف بين أحمدي نجاد وآية الله علي خامنئي. ولو كان المرشد الأعلى يخشى من تضرر مصالح بلاده من جراء تصرفات رئيسه، لسارع إلى كبح جماح أحمدي نجاد منذ أسابيع.
وبينما تركزت التغطية الإعلامية في معظمها على إعلان الرئيس الرسمي، فإن خصمه السياسي الرئيسي السابق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، كان هو الذي أكد علانية لأول مرّة عن قيام إيران بإنتاج كميات من اليورانيوم المخصب.
وذلك أمر مهم، لأنه يشير إلى أنه حتى منتقدي أحمدي نجاد المحليين ـ بما في ذلك الرجل الذي هزمه نجاد في السباق الرئاسي ـ يدعمون بالكامل خيار تبني استراتيجية قوية للمضي قدما في التطوير النووي. وهذه الوحدة الداخلية تساعد إيران على مقاومة الضغط الدولي.
ثانياً، بغض النظر عما يقوله البعض في إدارة بوش، فإن أحمدي نجاد ليس مخبولاً وحكومته لا تسعى وراء استراتيجية طائشة. ومن المؤكد انه كان يعبث أمام الكاميرات عندما قال مخاطباً منتقديه الدوليين «اغضبوا منا وموتوا بهذا الغضب» بعد الاعلان عن تخصيب اليورانيوم.
وتشجع مثل هذه التعليقات البعض في واشنطن على القول إن أحمدي نجاد ليس «إنساناً عاقلاً»، كما قال كارل روف، مستشار الرئيس بوش في كلمة له في هيوستن. لكن السبب الأكثر ترجيحا لمشاكسة أحمدي نجاد في خطبه النارية هو أنه يعرف أن تشدّده في الدفاع عن برنامج بلده النووي يعزز شعبية النظام الحاكم في الداخل.. وأن مكانة بلده الدولية تزداد قوة يوماً بعد يوم.
وأخيراً، على الرغم من ان التقدم النووي الذي أعلنت عنه إيران استثار بعض اقوى عبارات الشجب إلى الآن من روسيا والصين، وأن كلا البلدين ربما يدعمان الآن خيار العقوبات المحدودة التي كانا يعارضانها حتى الآن،
فإن طهران على ثقة بأنهما لن يؤيدا البتة اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد صادرات إيران النفطية، وان الأمر سيستغرق شهوراً عدة لاتمام مداولات وإجراءات الأمم المتحدة في هذا الصدد في هذه الاثناء، فإن لدى إيران الآن فسحة زمنية أطول لحماية مواقعها النووية ضد ضربة عسكرية مستقبلية.
والوقت هو زبدة الموضوع الآن، ففي 14 ابريل اصدر معهد أبحاث العلوم والأمن الدولي الذي يقع مقره في الولايات المتحدة تقريراً يتضمن صوراً جديدة ملتقطة بالأقمار الصناعية تشير إلى ان إيران عاكفة منذ فترة على حفر انفاق جديدة قرب منشأة تحويل اليورانيوم في أصفهان وموقع التخصيب المحصن تحت الأرض في نتانز.
ومن الواضح ان إيران تعتزم استخدام الوقت الاضافي الذي سيمضيه الخمس الدائمون في التداول حول تفاصيل العقوبات الاقتصادية، لتدفن المزيد من منشآتها الأساسية في انفاق اسمنتية محصنة تحت الأرض، والى ان يصل الحديث عن عقوبات اقتصادية قاسية إلى الطريق المسدود المتوقع، فإن المنشآت النووية الإيرانية ربما تكون قد أصبحت بعيدة عن متناول الضربات الجوية الأميركية.
وباختصار، فإن الحكومة الإيرانية تقول ان حظر السفر وتجميد الأصول المالية ثمن زهيد مقابل تحقيق طموحها في التطور النووي وقيادتها لا تعتقد ان مجلس الأمن يمكن ان يفرض عقوبات اقتصادية قاسية لتهديد استقرار إيران
أو ان الولايات المتحدة قادرة على حشد دعم تحالف مستدام من دول متعددة لفرض العقوبات القاسية التي لن يوافق عليها مجلس الأمن. والآن وقد اكتسب الدعم الدولي لاتباع أسلوب الدبلوماسية القسرية زخماً جديداً فإن لدى ايران المزيد من الوقت لتحضير مواقعها النووية لتحمل هجوم أميركي.
وبخلاف الولايات المتحدة، فإن إيران تملك أوراقاً قوية لتلعب بها في هذه الاثناء، إذ يمكنها سحب بعض صادراتها النفطية من الأسواق العالمية، مضيفة المزيد من الضغوط على الأسعار المرتفعة أصلاً إلى حدود 70 دولارا للبرميل،
ويمكنها وقف كل الصادرات النفطية إلى حليف أو حليفين للولايات المتحدة ـ مثل اليابان ـ ويمكنها القيام بمناورات عسكرية أخرى قرب مضيق هرمز لتذكير العالم بأنها تستطيع وقف كل الشحنات الداخلة والخارجة من الخليج، وتستطيع إيران أيضاً مفاقمة حالة الفوضى في العراق بالعودة إلى إمداد حلفائها الشيعة وسط الميليشيات المسلحة متزايدة النشاط في البلد.
ويمكنها دعم شن هجمات على إسرائيل عن طريق حزب الله أو حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية ولقد أعلنت طهران في 16 ابريل الماضي ان هناك آلاف المفجرين الانتحاريين على أهبة الاستعداد لضرب أهداف أميركية وبريطانية رداً على أي هجوم عسكري تتعرض له إيران.
وبالنسبة لإيران، فإن كل هذه الاعمال الممكنة لها ثمنها لكن الحكومة الإيرانية تبدو مستعدة لتحمل المتاعب على المدى القصير في سبيل تحقيق هدفها القومي الأكثر أهمية.ومما لاشك فيه ان إيران تحقق تقدماً نحو الانضمام إلى النادي النووي لكن الأمر الأقل وضوحاً هو ما الذي تستطيع إدارة بوش فعله الآن حيال هذا الأمر.
إيان بريمر
خدمة لوس أنجلوس تايمز خاص لــ «البيان»