أجل. إسرائيل هي عدو العرب، ولكن كيف تكون الولايات المتحدة حليفاً في نظر النظام الرسمي العربي بينما هي في الوقت نفسه الشريك الاستراتيجي الأعظم لدولة العدو الإسرائيلي؟

السؤال يعاد طرحه بمناسبة انقضاء 58 عاماً على الهزيمة العربية التاريخية وإعلان قيام الدولة الاسرائيلية في 15 مايو 1948، والآن وبعد مرور ما يقارب ستة عقود زمنية لانزال نعيش معادلة مغلوطة ـ أو بالأحرى مقصودة ـ بفصم القضية الفلسطينية عن سياق العلاقة العربية مع الولايات المتحدة.

ما لا يريد ان يقرّ به النظام الرسمي العربي أن العالم العربي يخضع لحالة من الاستعمار الأميركي الشامل وأن الدولة الإسرائيلية هي القلعة المتقدمة للامبراطورية الاستعمارية الأميركية. فلو أقر النظام العربي الرسمي بهذه الحقيقة لوجد من الصعوبة تبرير تحالفه مع الولايات المتحدة ـ الشريك الأكبر والداعم الأعظم لإسرائيل.

بداية الاستعمار الأميركي للعالم العربي يمكن أن تحدّد تاريخياً بعام 1957 ـ رغم انه كانت هناك مقدمات في مطلع عقد الخمسينات في عهد الرئيس هاري ترومان، الرئيس الذي وضع حجر الأساس للشراكة الاستراتيجية الأميركية مع إسرائيل، في ذلك العام دشنت واشنطن «مشروع ايزنهاور» لحشد الدول العربية وراء حملة «لمنع انتشار الشيوعية السوفييتية» في العالم العربي حتى ينسى العرب إسرائيل نهائياً.

كانت علة التدخل الأميركي ابتداء من أجل ملء الفراغ الذي يخلفه تلاشي الاستعمار الأوروبي التقليدي في المنطقة لافتتاح حقبة استعمارية جديدة تحت عنوان «حماية إسرائيل»، فعام 1956 كان نهاية الاستعمار البريطاني في مصر عندما حاقت بالعدوان الثلاثي (بريطانيا وفرنسا وإسرائيل) هزيمة تاريخية في حرب السويس. وقبل ذلك كان عام 1954 بداية النهاية للاستعمار الفرنسي، فقد كان ذلك عام اندلاع الثورة المسلحة في الجزائر التي انتهت بهزيمة فرنسا عام 1962.

ومنذ إعلان مشروع ايزنهاور لم تستحدث الإدارات الأميركية المتعاقبة حتى اليوم أي تغيير جوهري على الاستراتيجية الاستعمارية الأميركية تجاه العالم العربي انطلاقاً من مبدأ المحافظة على أمن إسرائيل، فقط تغير الشكل.

فشعار «محاربة الشيوعية» الذي ظل ساري المفعول لعقود متصلة استبدل بشعار «مكافحة الإرهاب الإسلامي» ـ خاصة بعد نهاية عقد الثمانينات حين حدث الانهيار التاريخي للكتلة السوفييتية الاشتراكية.وهكذا بقيت إسرائيل منذ منتصف خمسينات القرن الماضي وحتى اليوم المرتكز الأساسي للسياسة الأميركية الاستعمارية تجاه العالم العربي.

لقد تواصلت النكبة وتداعياتها وما ترتب عليها من أوضاع في فلسطين وأنحاء الوطن العربي الأخرى لمدى 58 عاماً لأننا كشعوب سمحنا للنظام الرسمي العربي بأن يقودنا في الاتجاه الخاطئ بفصم قضية المصير الفلسطيني عن العلاقة العربية مع الولايات المتحدة إلى درجة اعتبار واشنطن وسيطاً محايداً ونزيها بين إسرائيل والفلسطينيين.

واذا أخذنا في الاعتبار انه حتى رؤية قيادة منظمة التحرير الفلسطينية تتطابق مع رؤية النظام الرسمي العربي فإن النكبة تبقى مرشحة للتمدّد.