عقد، أمس الأول، مؤتمر الحوار الوطني اللبناني جلسته الثامنة ،حصيلته لجهة الحلول أو حتى الحلحلة في البند الرئاسي الذي كان موضوع التداول ،كانت لا شيء، تعذر بلوغ أي اتفاق. الأطراف المتباينة احتفظت بخنادقها؛ من دون أي تزحزح.
الفجوة واسعة والمقاربات متضاربة. فكان أن بقي كل فريق على تشبثه بموقفه بالمقاييس العادية البسيطة للنجاح والفشل، تندرج النتيجة في خانة الثاني. لكن خصوصية الظروف اللبنانية، في لحظتها الراهنة.
لا تنطبق عليها هذه المقاييس. ففي لبنان اليوم لا يستقيم الحديث عن فشل طالما لم يصل المؤتمر إلى نقطة الانفراط. بل طالما توافق المؤتمرون على مواصلة الحوار،
فذلك يعني إصرار الأطراف ـ أو عدم قدرتهم على غير ذلك لا فرق ـ على إبقاء الخلافات فوق الطاولة المستديرة وليس في الشارع، المفتوح على كافة الاحتمالات. وكأن اللبنانيين أجمعوا على وجود أزمة مستعصية؛ وفي الوقت ذاته توافقوا على إدارتها. وليس على تفجيرها، وهنا يكمن المكسب.
لقد جاءت القوى المتحاورة إلى مائدة الحوار بعد أكثر من ثلاثة أسابيع كانت حافلة بالتراشق والسخونة، فيما بينها ساد الاعتقاد لفترة أن الجلسة قد لا تعقد، أو إذا حصل وانعقدت فهي مهددة بالانفجار، أو بإعلان طي صفحة المؤتمر برمته وعدم استئنافه. الأمر الذي زاد من كآبة وسوداوية المشهد، لكن لحسن الحظ، سرعان ما زالت هذه المخاوف.
الحضور كان كاملاً. وكذا المشاركة في المداولات. أجواء الجولة كانت كسابقاتها، هادئة. ومع أن بند الاجتماع وصل الحوار حوله إلى نقطة الانسداد، إلا أن ذلك جرى تحييده كعقبة من طريق المسيرة وجرى الاتفاق على العودة إلى الطاولة يوم 8 يونيو المقبل.
بقدر ما هو واضح كم هي الخلافات عميقة ومستحكمة، بقدر ما بات جلياً بأن جميع الفرقاء يتهيّبون الظرف ودقته وحراجته، وبالتالي يحرصون على الاستمرار في الحوار كخيار وحيد، لا بديل عنه. وكأن أحداً لا يريد تحمّل مسؤولية نسف جسوره. وهذا بحد ذاته صمّام أمان. فليس سراً أن انقطاع التواصل، ولو مع عدم التزحزح في الوقت الراهن، يرفع من وتيرة الاحتقان الذي لا مكان للتنفيس عنه إلا في الشارع.
والأسابيع القليلة الفائتة أكدت هذا الأمر، وما يمكن أن ينطوي عليه من تأزيم وانفلات محكوم بالوصول إلى نهاياته المخيفة. فالساحة اللبنانية مع الأسف، هشّة ومأزومة. الضغوطات المتعددة والمتراكمة تحاصرها من جهة، وشبح المجهول من جهة ثانية. هي محاطة بكل عوامل التسخين.
ومن الطبيعي أن تكون سريعة العطب.. الأمر الذي يجعل من مجرد العمل على شراء الوقت، فضيلة. وواحدة من فضائل الحوار والاستمرار به أنه يؤدي هذه المهمة. ولو أن وقوعه في روتين التأجيل قد ينعكس سلباً على أهميته، مع الزمن.
ومن هنا يتبدّى أن التشبث بهذا الخيار هو ضرورة لا غنى عنها، لكن هذا التشبث المطلوب مرهونة أهميته بما يحرزه الحوار من تقدم وإنجازات ولو بطيئة ومتواضعة. وخير البرّ عاجله.