عودة المغرب الى إحياء الاستعراضات العسكرية لا تمثل عودة لإظهار القوة والاستعداد وحسب, بل تمثل دخول هذه البلاد المهمة والجميلة مرحلة الاستقرار العالي, والثقة التامة بالنفس, وتجاوز سنوات الاضطراب حين كانت الانقلابات العسكرية تستهوي بعض الضباط من ذوي الشحنات العقلية المتواضعة التي جعلتهم لا يميزون بين الطموح الشرعي, وبين الجنون الممنوع الذي يؤدي الى اعتلال الشرعية وضعف الوطن.
واستعراض الرباط اول من امس هو الاول منذ عام 1973 وترأسه العاهل المغربي بمناسبة مرور خمسين عاما على تأسيس الجيش المغربي, معيدا بذلك, إضافة الى المعاني الآنفة, أمجاد المغرب العسكرية, وتراثه القتالي, في زمن لابد فيه من إظهار معالم القوة والبأس لمواجهة أطماع ذئاب برزت أنيابها في الجوار بعد ان ظنت خطأ ان المغرب يمشي في اتجاهات اخرى تسمح بالاستقواء عليه.
المغرب الآن, وبعناصر القوة المتوافرة لديه, أصبح ركيزة الاستقرار في الشمال الافريقي, والبوابة الذهبية لافريقيا كلها.
وقد حاز على هذه الصفات والادوار الستراتيجية كونه الكيان السياسي الوحيد الذي كان ينعم بالتكاملية وبالاستقرار, في حين كانت الجزائر غير مستقرة, وليبيا غارقة في ملهاة النظريات, وممارسة المغامرات في العالم, وتونس تسعى في مراحل الانتقال, من البورقيبية الى ما بعدها, كي تكون مستقرة, فوقعت في التباس الديمقراطية والاستبداد..
المغرب كان الوحيد في الشمال الافريقي العربي الذي نال استقلاله مبكرا, وحافظ على شرعيته, ولم تتغلب عليه شرعيات طارئة تتلون بشعارات الثورة فتكون تارة خضراء, وتارة حلزونية, وتارة ستالينية, وتارة فوضوية من دون عنوان...
شرعية المغرب ظلت واحدة, حاول الاستعمار الفرنسي اخراجها, في غفلة تاريخية, ففشل, بسبب ارتباط شعبها الوثيق بها, والذي يتجلى حتى اليوم في عيد الشباب, وعيد الجلوس, حيث يتعاظم الحب وتتجدد البيعة.
هذه المرة يعود الاستعراض العسكري مدعوما بالعلاقات الدولية التي أسسها العاهل المغربي الملك محمد السادس, وسعى إليها في أوروبا وأميركا, ولدى سائر الاقوياء الذين يتشكل منهم النظام الدولي الجديد الآن...
هذه العلاقات التي ستتجلى الاسبوع المقبل بمناورات ستشارك فيها, مع المغرب, قوات أميركية وغربية تعتبر امتدادا لأكبر مناورة رعاها الحلف الاطلسي (ناتو) قبل عامين, وشاركت فيها قوات أميركية وفرنسية واسبانية وايطالية, وانطلقت للمرة الاولى من على متن حاملات الطائرات, وشاركت فيها طائرات مغربية.
لقد استطاع الملك محمد السادس ان يولي بلاده هذه الادوار العالية بعد ان أقنع العالم بأهمية المغرب, وبأنه البوابة الذهبية للقارة الافريقية, وأنه بالتالي النموذج الديمقراطي المنفتح لكل دول المنطقة.
وباضفاء طابع القوة على هذا الكيان السياسي الراسخ يكون الاعلان قد تم عن ان سياسات التحرش, وخدمة الاطماع, والعمل على تهديد المحافظات الجنوبية للمغرب, بواسطة جماعات متناثرة لا تملك مقومات الوجود والكيانية, كالبوليساريو وغيرهما, أصبحت سياسات عقيمة لا تأثير لها في الحاضر, ولا دور لها في المستقبل.
لقد تشكلت قناعة دولية بأهمية المغرب, الامر الذي يوحي بأن قيادته السياسية العليا, والتي تعمل بصمت في الداخل والخارج قد انتهت من تصليب الكيان الوطني للمغرب, ومن إيجاد الدور الفعال للمغرب في مساحة المجتمع الدولي كله.
وقد جاء الاستعراض العسكري بعد غياب 33 سنة ليستكمل مظاهر القوة, حيث برز الجيش المغربي حائزا على الحلفاء, ومرجعا للاستقرار, ومدعاة لاطمئنان المواطن وللمتابعين للسياسة المغربية ولمحبي هذه البلاد الجميلة.