تقارب المهلة الدستورية لحكومة رئيس الوزراء العراقي المكلف نوري المالكي على نهايتها دون ظهور بصيص أمل بشأن الحقيبتين السياديتين «الداخلية والدفاع» حتى أن المالكي أصبح على وشك إعلان حكومته مع إبقاء الحقيبتين معلقتين في انتظار الحسم.
هذا المناخ المتوتر، ودائرة الشد والجذب الملتهبة بين الأحزاب العراقية، والائتلافات المذهبية يكشف عمق الأزمة السياسية التي يمر بها العراق الجريح، ويؤكد حقيقة قائمة هي أن دوامة العنف والصدام الاثني أقوى من بوادر الأمل والاتحاد الوطني، وانه حتى لوخرجت الحقائب الوزارية هذه لتنضم إلى التشكيلة الحكومية فإن الهدف المأمول لايزال بعيد المنال.
الصدام على الحقائب لايتوقف عند الداخلية والدفاع، فهذا حزب الفضيلة «صغير الحجم قوي النفوذ» قاطع - احتجاجا - مفاوضات تشكيل الحكومة منتقداً ما وصفه بالتدخل الاميركي وسبب غضبه فقدان منصب وزير النفط الحاسم الذي نعلم جميعا كم تعول واشنطن عليه.
ومن بين النقاط العالقة كذلك النزاع حول وزارة الصحة بين السنة ومقتدى الصدر، الذي يهدد هو الآخر بترك الحكومة نهائيا إذا أخذت «الصحة» من بين يديه.
الرهان كان على حكومة المالكي بان تكون أول حكومة وحدة وطنية دائمة للعراقيين منذ الغزو الامريكي، تنتشل العراقيين من دوامة الموت، وتفاوض الولايات المتحدة على رفع يد الاحتلال، لكن النتائج حتى الآن تبدو عكسية ومؤسفة، والسؤال المطروح الذي نرغب بالحصول على اجابته بالنفي، هو هل خرج العراقيون من تجربة الاحتلال بالتصميم على تكريس ثقافة الطائفية، وحكومة الكانتونات، والمحاصصة الحزبية، والولاءات العقائدية.
أمر مؤسف حقاً، حتى ولو جيء بوزيرين للداخلية والدفاع من خارج دائرة الاستقطابات السياسية كما يصفها المالكي نفسه، فالمطلوب هو وزراء حكومة من دائرة الاستقطابات الوطنية، تنتشل العراق من محنته، تداوي جراحه، ولاتعمق ندوبه وتعطل مسيرته.
العراق في بداية مسيرة، ويستطلع أفق تجربة، تجربة محفوفة بالمخاطر، قاعدتها اثنية، وعمامتها دينية، وجسمها خليط من ذا وذاك، الأمر الذي يضاعف حجم مسؤولية القائمين على هذا الشأن، ويدفعهم إلى التسامي فوق جميع الأطروحات الطائفية، والمطالب القائمة على المصالح الضيقة، والحسابات المجتزأة.
فوزير الداخلية هو لأمن العراقيين جميعاً سنة وشيعة وأكراداً وتركماناً وغيرهم، ووزير الدفاع، للدفاع عن حوزة التراب العراقي وأمنه الإقليمي وسيادته الوطنية بلا استثناء لإقليم أو محافظة، ووزير الصحة أحوج ما يكون له العراقيون اليوم جميعا، بلا توجه مذهبي أو سياسي إلا التوجه الوطني بضمير إنساني.
والواقع يكفي عن الحديث في شأنه، العراقيون ودول الجوار والمحيط العربي والدولي ينتظر من حكومة المالكي أكثر مما تنتظره من نفسها لأمن وخير العراق، فلننتظر.