يبدو أن الديمقراطية من منظور المحافظين الجدد المتربعين على عرش البيت الأبيض باتت رديفا ومرادفا لمفهوم الوصاية والتبعية الذي يتعين بموجبه على سائر مجتمعات العالم الركوع عند قدمي الولايات المتحدة والرضوخ لإرادتها والسير في ركاب سياساتها العدوانية.

بهذا السياق بالذات تأتي بعض تصريحات جورج دبليو بوش العنجهية، والتي لم يعد أحد قادرا على التمييز بين محتوياتها لكثرتها وتكرارها، والتي يلقي فيها ظلالا من الشك على وضع الديمقراطية في روسيا الاتحادية ويتهمها بأنها بدأت تتراجع في هذا الميدان، الذي يحلو لها التشدق به فقط عندما يطيب لها ذلك ويتوافق مع مصالحها.

والملاحظ في السياق ذاته أن الإدارة الأميركية لم تعد تأبه أصلا بالسياقات التي تحتضن تحركاتها وتصريحاتها وحتى توجهاتها،لا بل إن المسألة بلغت حد الوقاحة السياسية في أحيان كثيرة إن لم نقل في أغلب الأحيان.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة في هذا الميدان هو: أولم يتنبه الرئيس بوش إلى الوقع الذي كانت ستخلفه كلماته الديمقراطية الممجوجة؟ أخذا في الاعتبار أنها جاءت مباشرة بعد الخطاب السنوي للرئيس فلاديمير بوتين والذي أكد فيه على ضرورة تعزيز قوة الاتحاد الروسي على الصعيد العسكري لتوفير إمكانيات مواجهة التحديات الخارجية على الساحة الدولية.

ثم ألم يخبره أحد من معاونيه الأشاوس وما أكثرهم بأن تصريحاته حول الديمقراطية الروسية جاءت مباشرة بعد الموقف الروسي- الصيني الذي أعاق صدور قرار من مجلس الأمن الدولي يجيز استخدام القوة ضد إيران بغية إغلاق ملفها النووي عنوة.

ترى ما هو نوع الديمقراطية التي تروق لبوش وأعوانه.. هل هي ديمقراطية العمالة والعملاء.. ديمقراطية التجسس والجواسيس.. ديمقراطية المؤامرة والمتآمرين.. ديمقراطية القتل والقتلة..أم ديمقراطية الجلد والجلادين؟

المفكر التقدمي الأميركي نعوم تشومسكي قام في الآونة الأخيرة بجولة شرق أوسطية وأطلق من هناك، من قلب هذا الشرق الحزين وتحديدا من قلب بيروت وبعد لقاء جمعه بالأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، تصريحات أكد فيها أن الولايات المتحدة ورثت في النصف الأول من القرن الماضي دولاً بوليسية من الاستعمار البريطاني الأول في منطقة الشرق الأوسط.

لكن وليسمح لنا المفكر الكبير أن نضيف على كلامه وبتواضع شديد أن الإدارات الأميركية المتعاقبة ولا سيما الحالية منها قد أصيبت بعدوى الديكتاتورية وتحولت بدورها إلى دولة بوليسية من الطراز الأول.

فبينما كانت تمارس هذه الممارسات المقيتة الخاصة بها النوع من الأنظمة البوليسية الكريهة خارج حدودها الوطنية، ها هي تمارسها في قلب الوطن تحت ذرائع باتت مكررة وممجوجة من نوع الحرب على الإرهاب وقطع الطريق على ما يتداوله من معلومات عن الإرهابيين، الذين يبدو أن وجودهم بات حكرا على تفكير بوش والمحيطين به من تيار اليمين الأميركي المتشدد.

وبما أن الأمثلة متنوعة وعديدة، إن لم نقل لا تعد ولا تحصى على السياسات الأميركية المنافية لمفهوم الديمقراطية ولو بحدوده الدنيا، فإن الأجدر في هذا المقام الواسع الشاسع مترامي الأطراف أخذ أحدث تلك المغامرات الأميركية والمرتبطة بما يدور من قتال على أرض العاصمة الصومالية مقديشو، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذا مثال نموذجي على رعاية الولايات المتحدة للأنظمة الاستبدادية والجماعات الإرهابية المنتشرة حول العالم.

حيث تقوم واشنطن بدعم الميليشيات المسلحة الصومالية ضد ميليشيات المحاكم الشرعية في حرب تخوضها الأولى بالنيابة عن واشنطن، تحت جناح زعماء الحرب هناك الذين يتلقون الدعم سلاحا ومالا من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية مباشرة للتنكيل بالمدنيين الصوماليين، في فصل جديد من فصول المجازر المتعاقبة في هذا البلد العربي المهجور عربياً ودولياً.

وإذا كانت الولايات المتحدة حريصة فعلا على الصومال والصوماليين، فلماذا لا تدعم المسيرة الشرعية والديمقراطية، مثلما يحصل في فلسطين، التي أنجبت رئيسا انفض الجميع من حوله ليترك البلد وأهله لقمة سائغة في فم المتعطشين للدماء من داخل الصومال وخارجه. لكن إذا كانت الصورة واضحة لهذه الدرجة، فما هو إذن الدافع الذي يحرك الاندفاع الأميركي باتجاه هذه المغامرة السوداء؟

ربما مكمن المسألة قابع في ظلمات مغامرة أميركية سابقة خائبة أقدمت عليها إحدى الإدارات الأميركية عام 1992 حين دخلت مقديشو وخرجت تجر ذيول الهزيمة بعد أن سحل جنودها في شوارع هذه العاصمة البائسة. لكن ألا يطرح كل هذا التباسا وخلطا بين مفهومي الديمقراطية والانتقام؟ وهل للديمقراطية مكان أو مكانة في هذا المشهد الأسود المخضب بدماء الأبرياء.