شهدت الأيام القليلة الماضية مجموعة من الأحداث انطوت على دروس تبلغ الغاية في الأهمية بالنسبة لرؤيتنا لأنفسنا وللعالم وهي دروس جاءت من العاصمة التشيكية براغ وبعدها العاصمة الروسية موسكو.

فالخطاب الذي ألقاه الرئيس بوتين أمام الكرملين اعتبره البعض مؤشراً على عودة أجواء الحرب الباردة إضافة إلى الانتقادات الحادة من جانب نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني والتي تعد اعنف انتقاد توجهه الولايات المتحدة لغريمتها السابقة منذ سنوات.

وقد جاءت تصريحات تشيني التي أثارت ردود فعل غاضبة في روسيا في كلمة له أمام قمة لزعماء بحر البلطيق والبحر الأسود في العاصمة الليتوانية فيلنيوس وحذر فيها الرئيس فلاديمير بوتين من أن بعض تحركات موسكو قد يضر بعلاقاتها مع دول أخرى.

كما وجه تشيني للكرملين اتهاما بالتراجع عن الديمقراطية واستخدام الطاقة لابتزاز جيرانها وحذر من أن معارضي الإصلاح في روسيا يحاولون إرجاع عقارب الساعة للوراء فيما يتعلق بالديمقراطية.

الوزير يرد والرئيس يوضح

وفي سابقة لم تشهدها العلاقات منذ انهيار الاتحاد السوفيتي استنكر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الانتقادات القاسية التي وجهها نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني للكرملين إلا أنه استبعد أن يؤثر ذلك على التعاون بين روسيا والولايات المتحدة في حل الأزمات الدولية.

وهو موقف لا يخلو من براجماتية وإقرار ضمني بأن زمن الندية ولّى. وكانت الصحافة الروسية والمراقبون الروس قد وصفوا انتقادات تشيني بأنها بداية حرب باردة جديدة يمكن أن تبعد موسكو عن حلفائها الغربيين الجدد.

وبعد البيان الرسمي للخارجية الروسية تصدى الرئيس الروسي بنفسه لمهمة التوضيح فأدلى بتصريحات قطعت الشك باليقين وأكدت أن الحرب الباردة لن تعود، لكنها أكدت أيضا - وهذا هو الأهم - أن طريق روسيا لبناء القوة أصبح مختلفا تماما عن تجربتها السابقة. فبعد سنوات من محاولة بوتين إعادة بناء الستار الحديدي.

وبعث الإمبراطورية مرة أخرى يعلن بوتين بوضوح ومع امتداد النفوذ الأميركي إلى الفناء الخلفي لبلاده أن المانفيستو الجديد لبناء روسيا لا مكان فيه للأفكار الثورية وأن ركائزه هي ركائز رأسمالية تتمثل في الاستثمار والابتكار وقد أضاف إليهما مرتكزا ثالثا يتصل بخصوصية الحالة الروسية وهو «الإنجاب».

وقد قال بوتين (موقع بي بي سي 13 ـ 5 ـ 2006) إنه لن تكون عودة للحرب الباردة في العلاقات الدولية مضيفا أن موسكو ستعمل على بناء علاقاتها مع الغرب بصبر وأناة لكنه حذر من التدخل في شؤون الدول معتبرا أن مسألة الأمن القومي تأتي على رأس الأولويات في الوقت الراهن.

والثالوث الذي بنى عليه بوتين المانفيستو الجديد يعني أن مجال النزال تغير فلم يعد القدرة العسكرية بل الكفاءة الاقتصادية عبر مزيد من الاستثمارات ومزيد من الابتكارات بدلا من سباقات التسلح المفتوحة.

وقد انهار الاتحاد السوفييتي نفسه وهو مدجج بأسلحته كلها فلم تنقذه من مصيره، وهذا الإدراك الجديد لمؤهلات القوة ومجالات المنافسة متغير تاريخي بكل معنى الكلمة فثقافة «العسكرة» والاقتصار على القوة العسكرية كمعيار للقوة وميدان للتنافس ثقافة تكاد تلفظ أنفاسها الأخيرة في مسقط رأسها بينما لم يزل الخطاب التحليلي العربي يعيد إنتاجها دون ترو أو تأمل.

بناء العلاقات مع الغرب

وتصريحات بوتين التي تبدو أقرب إلى التصريح هي بحد ذاتها دعوة لمراجعة خطاب العداء الكاسح للغرب فروسيا التي كانت نواة إمبراطورية ضخمة خاضت مع الغرب، حرباً باردة استمرت عدة عقود يتحدث رئيسها عن بناء العلاقات مع الغرب بصبر.

وأناة بينما الخطابان التحليلي والإعلامي العربيان يمتلئان بدعوات لا مواربة فيها لحرب مفتوحة مع الغرب وبعض أدبيات هذين الخطابين تحيل على موقف سياسي هو أقرب للوهم يسوق لروسيا نمطية تتشابه مع صورة الاتحاد السوفييتي.

وما نقوله عن روسيا ينطبق بدرجة كبيرة على الصين التي تربطها بالولايات المتحدة مصالح اقتصادية شديدة الضخامة لا يمكن تصور أن تضحي بها لتحصل بدلا منها على دور دولي موازن للدور الأميركي.

وفي خلفية المشهد يأتي وصول أنجيلا ميركل لمنصب المستشارية في ألمانيا ليدفع ألمانيا خطوات بعيدا عن روسيا وفرنسا وقريبا من الولايات المتحدة ليصبح الغرب على شاطئي الأطلنطي متجها ببصره أكثر من أي وقت مضى صوب واشنطن.

وفي بازار التخيلات كانت فرنسا توضع ضمن سلة «الأقطاب» الدوليين المرشحين لمواجهة الولايات المتحدة وبخاصة في مشروعاتها للمنطقة العربية غير أن الموقف الفرنسي بدأ يتحول خلال السنوات التي أعقبت إطاحة النظام العراقي.

وتلاه الموقف الروسي بدرجة أقل وبدا من تجربة السنوات المشار إليها أن القوى الدولية التي يشار إليها بوصفها أطرافا في نظام دولي جديد متعدد الأقطاب في سبيله للتشكل لم تستخدم الفيتو ضد أي قرار أميركي يصدر من مجلس الأمن وبعضها قرارات في قضايا شائكة كالملف السوري اللبناني والملف السوداني.

والعبرة هنا ليست الدعوة لقبول كل ما تقرره الولايات المتحدة فهذا وضع لا تعرفه العلاقات الدولية بل إن بعض أقرب حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وخارجها عارضوا قرارها إطاحة النظام العراقي بالقوة والموقفان الألماني والتركي نموذجان مهمان في هذا السياق.

فهل هو حتمي؟

وقبل الدخول في سجال حول مدى إمكان الدخول في صراع مع الغرب ينبغي مناقشة مدى القبول النظري لخيار الصراع وما إذا كان حتميا، وتلعب المفاهيم والصور النمطية هنا دورا كبيرا فالرئيس الروسي بوتين يتحدث عن الغرب بضمير الغائب أي أنه لا يعتبر روسيا دولة غربية.

من ناحية أخرى عندما تكون لدينا صورة نمطية لهذا الغرب تحمله وحده المسؤولية عن كل مشكلات العالم فمن الطبيعي أن نكون أميل إلى خيار الصراع بل إلى اعتباره حتميا.

وبديهي أن روسيا التي تفضل كما يؤكد رئيسها بناء العلاقات مع الغرب بصبر لن تغير موقفها وتقرر الدخول في صراع لأجل «سواد عيوننا» أو دفاعا عن قضايانا. فلمَ يقرر البعض بجرة قلم أن يشن نيابة عنا حربا على الغرب باسمنا دون تفويض منا وما مدى ومصداقية هذا الإعلان؟

وإذا صدر هذا عن متطرفين دينيين أو قوميين فلماذا يتطوع مثقفون بإشاعته دون تدقيق أو تمحيص؟ ومتى نقرر أن نغير مسار النزال ـ سواء اعتبرناه صراعا أو منافسة - ليصبح مجاله الاقتصاد والتقنية بدلا من الصراع العسكري فنعيد بذلك الاعتبار للترتيب الطبيعي للمقدمات في علاقتها بالنتائج؟ ومتى نستوعب دروس التاريخ وحقائق الواقع بدلا من العيش في كهوف الأوهام؟