يعد الأمن من المقومات الأساسية التي تقوم عليها المجتمعات الإنسانية، وهو غاية تحرص كل المجتمعات على تحقيقها وإرسائها والحفاظ عليها.
ولا شك أنّه عنصر مهم من العناصر التي تكفل لأي مجتمع تحقيق ما ينشده من تطور وتقدم ورخاء؛ إذ لا يمكن أن تتحقق أدنى درجات الرخاء والسعادة للأفراد في أي مجتمع في غياب الشعور بالأمن على النفس والأهل والأرض والمال وكل ما يملكه الإنسان ويشعر بأهميته في حياته وبقيمته المادية أو المعنوية.
ولذلك فإنّ المجتمعات التي تعاني من الحروب أو سطوة الاحتلال أو المجاعات أو الفقر تكون مهددة في أمنها واستقرارها، وتكون ـ نتيجة لذلك ـ عاجزة بدرجة أو بأخرى عن تحقيق الرخاء والتقدم المنشودين.
ولعل أبرز مظاهر الحفاظ على الأمن في المجتمعات الإنسانية يبرز في سن القوانين المختلفة التي تكفل للناس حقوقهم، وتحفظها لهم من اعتداء المعتدين أو تطاولهم أو ظلمهم.
ولأن الاعتداء على الآخر أو على حقوقه قد يتفاوت نوعا ودرجة فإن الحكم على المعتدي يحتاج إلى هيئات قانونية معترف بها من سلطات المجتمع وأفراده، تكون محط ثقتهم ويوكل إليها مهمة تحقيق العدالة بين الخصوم برد الحقوق إلى أهلها ومعاقبة المعتدين عقابا يتناسب مع جرمهم وما اقترفوه في حق الآخر، سواء كان فردا أم جماعة أم مجتمعا بأسره.
والاعتداء على حقوق الآخرين يطلق عليه في اصطلاح القانون اسم «جريمة»، وللجريمة عند القانونيين حدود وتعريفات ومستويات مختلفة، ولكنّ الجريمة ـ أيا كان نوعها ـ تتكون من بعدين: بعد قانوني يتمثل في الاعتداء على مصلحة جوهرية متعلقة بالجماعة أو أحد أفرادها. وبعد اجتماعي يتمثل في أي سلوك يخل بالتوازن الاجتماعي وينتهك القواعد التي يقوم عليها المجتمع.
ولابد للجريمة من ثلاثة عناصر: السلوك والإرادة والجزاء الجنائي، فلا وجود لجريمة من دون سلوك ظاهر يتأثر به الآخرون تأثرا يضر بمصلحتهم وحقوقهم.
وهذا السلوك لا بد أن يكون نتيجة لإرادة تصنف في عرف القانون على نوعين: القصد الجنائي أو الخطأ غير العمد، ولا يمكن أن نصنف أي سلوك على أنه جريمة إذا لم يكن هناك نص قانوني يجرّمه في قانون العقوبات المعتمد في المجتمع.
ولعل تأمل أحوال المجتمعات وما يقع فيها من تفاعلات بشرية بالغة التعقيد تتجاوز الحدود والتعريفات التي تتضمنها لوائح القانون وكتبه وأعرافه يضعنا أمام أشكال شتى من الجرائم، قد لا نجد لكثير منها نصا قانونيا دقيقا يجرّمها فتبقى مرهونة بالقيم والمبادئ التي يتمسك بها أفراد المجتمع وتقع تحت سطوة الأخلاق والضمائر.
فلا شك أنّ هناك جرائم واضحة للعيان لا يختلف عليها اثنان، ولا يمكن للعارف العاقل من الناس أن يجادل فيها كإزهاق الأرواح وسرقة الممتلكات والخطف والاغتصاب وغيرها. ولكن على هامش هذه الجرائم الواضحة المكشوفة تقع جرائم أخرى كثيرة خفيّة لا يلتفت إليها القانون، ولا يصرح بجرمها أحد.
وإن كانت ـ في كثير من الأحيان ـ أشد ضررا وأكثر جرما وأكبر إيذاء. إنها جرائم لا يقع ضررها على أشخاص معينين ولا يمكن في عرف القانون أن نحدد زمانها ومكانها، فهي ممتدة في الزمان والمكان .
وتطال كل أفراد المجتمع وتنخر فيه من الداخل كما ينخر السوس الشجر فلا يلبث أن يسقط سقوطا مدويا مفاجئا بعد أن كان أصله ثابتا وفرعه في السماء. وهذه الجرائم لا تخفى على الناس ـ خاصتهم وعامتهم ـ فهم يشعرون بها ويرونها وقد يتلظون بلظاها يوما فيصرخون معلنين احتجاجهم ورفضهم.
فكثير من الناس ـ على اختلاف درجاتهم ـ يمارسون في حق مجتمعاتهم جرائم لا تغتفر، فبعضهم يدير العمل في مؤسسته على أساس المحسوبية والمعرفة الشخصية والمصالح المتبادلة، وبعضهم يسبر أهواء أصحاب القرار فيدور في فلكها ويمجدها ويراها الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فيكون خادما أمينا لهوى رؤسائه وما يحبون بغض النظر عن الضرر الذي قد تلحقه هذه الأهواء والأمزجة بالمجتمع وأفراده.
وبعضهم ينشغل بمصالحه الشخصية فلا يؤدي ما عليه من واجبات كما ينبغي، فلا تجده يقلق إن هو قصّر في عمله أو تهاون، وهذا النوع من الناس قد يتكاثر ويستشري في المجتمعات التي لا تحاسب المقصرين ولا تميّز بين العاملين بميزان الكفاءة والقدرة والإخلاص.
بل تضع لها موازينها الخاصة القائمة على الأنساب والأحساب والنفوذ. وهناك آخرون ـ وهم كثر ـ يعانون من السلبية القاتلة وضعف الشخصية، لكنهم يُسَلَّمون مناصب قيادية حساسة، فيرتكبون في حق مجتمعاتهم جرائم كثيرة بعدم قدرتهم على اتخاذ القرارات الحاسمة التي تضع المصلحة العامة فوق كل شيء، ولا تبالي برضا فلان أو فلان من الناس.
إنّ القانون يجّرم السارق إذا سرق درهما واحدا، ولكن القانون لا يستطيع أن يحاكم من ينتهك حقوق مجتمع بأسره أو أجيال متعاقبة فيه حين يصدر قرارا لم يراع فيه المصلحة أو حق الناس في القبول أو الرفض. والقانون عاجز عن معاقبة من يهدر الأوقات والأموال والجهود على مشاريع يراها أهل العلم الاختصاص مضرّة أو ـ على أقل تقدير ـ عاجزة عن تحقيق الأهداف التي يتوقع لها أن تحققها.
والقانون عاجز كل العجز عن محاسبة كثير من المسؤولين على أخطائهم التي يقترفونها في حق مجتمعاتهم لأنهم يمتلكون نفوذا يتجاوز قوة القانون وحصانة تعلو على صوت الحق فيه.
إن القانون يعاين بصمت جرائم تقع على مدار الساعة تحدث شروخا في بناء المجتمع تزداد عمقا واتساعا، ولكنه لا يملك إزاءها شيئا. إنّ القانون الوحيد الذي يملك سلطة على مثل هذه الجرائم هو قانون الضمير والأمانة والخوف من الله، قانون «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» الذي متى غاب وارتفع عن النفوس عمّ الفساد والظلم.
وليس شرطا أن يكون الأمر ظاهرا تراه العيون، بل يكفي أن تشعر به القلوب والنفوس فتقع تحت وطأة الإحساس باليأس والإحباط والقهر الذي يقتل الأمل ويئد المبادئ ويجعل المخلصين من الناس يتوارون أو يتراجعون أمام هجمة أهل الرياء والنفاق والمصالح الشخصية الضيقة. ترى أي قانون بشري يحاسب أمثال هؤلاء المجرمين؟
جامعة الإمارات