عندما بدأ البث التلفزيوني في الدول العربية بالأسود والأبيض ثم الملَّون كانت المحطات حكومية، ومنذ بداية التسعينات من القرن العشرين ظهرت علينا عشرات الفضائيات العربية الحكومية والخاصة تركزت أهداف معظمها للدعاية الحكومية، وبث الثقافة الاستهلاكية، والترويج للطائفية ثم بث الفرقة وثقافة العنف والإرهاب .

وبعض هذه الفضائيات العربية لا تتورع عن بث ما هو محظور أدبياً وثقافياً دون مراعاة للمستويات العمرية ودرجة الوعي في مجتمعاتنا، وأصبح في عدد من هذه الفضائيات تركيز على جسد المرأة كمقدمة لبرنامج أو راقصات في أغنيات، أو عارضة للأزياء، أو مقدمة لبرنامج حتى كأنك ترى عرضاً لفترينات خاصة بالملابس النسائية لا تجدها ربما حتى في الأسواق الباريسية.

كذلك بحكم انتشار الثقافة الاستهلاكية وعملية التسطيح الثقافي التي تقوم بها الفضائيات العربية يقتل الكثيرون ساعات طويلة من يومهم لمشاهدة برامج هذه الفضائيات العربية دون أن يستفاد من هذا الوقت المهدور في مشاهدات ليس فقط أنها لا تنفع لا بل أغلبها ضار بعقول ومشاعر الناس.

ولا تتوفر فيها حتى التسلية الجيدة. والأمر الغريب أن بعض هذه الفضائيات تبث برامج هابطة وتثير أحياناً البلبلة في مجتمعاتنا وليس هناك سلطة توقفها، وترى في الإسفاف الذي تقدمه أحياناً فائدة مادية تجنيها، أو أهدافاً سياسية أو اجتماعية تحققها بعيداً عن رقابة ثقافية مقتدرة ترفع بمستوى ما يقدم ذوقاً وثقافة.

ودخلت كذلك البرامج الدينية على الخط، ولها محطاتها بعضها شيعية وأخرى سنية وبرامج دينية من خلال المحطات الأخرى تثير النعرات الطائفية وتقدم أحياناً برامج مسطحة، وتطرح موضوعات ضعيفة وتركز على العاطفة والأخلاقيات، وعلى الجن وعذاب القبر وتفسير الأحلام!

ولدى هذه الفضائيات مبررات جاهزةأولها أنها تمارس دورها في أجواء من الحرية والشفافية، وثانيها بأن ما تقدمه لا يتعارض مع القوانين في الدول التي تبث منها ولا مع الثوابت الدينية.

علما بأنك تشاهد في اليوم الواحد برامج فضائيتين إحداهما حكومية والثانية خاصة في بلد عربي واحد متناقضات ولا تجرؤ كلتا الفضائيتين على طرح موضوع مهم ربما يشغل المواطنين أكثر من غيره لأنه حساس ولا ينفع مع سياسات تلك الدولة!

عندما بدأ البث التلفزيوني الفضائي في العالم، وفي العالم العربي كانت ساعات البث محدودة تمتد إلى منتصف الليل، وبعضها أقل من ذلك، ومع انتشار العولمة، وتحويل الليل إلى نهار بفتح الأسواق، ومطاعم الوجبات السريعة.

ومقاهي الانترنت وجدت هذه الفضائيات نفسها مضطرة كما تعتقد إدارتها مسايرة هذا الوضع الذي يجتاح العالم اليوم، والذي نتيجته أن معظم شبابنا الذين هم في سن المراهقة المبكرة واللاحقة لا ينامون الليل، ولا يعملون في النهار، يحدث ذلك في وقت ضعفت فيه الرقابة العائلية على النشء، وضعفت فيه التربية المدرسية فافتقد الكثيرون الحصانة الثقافية لهم وتجنب سلبيات الفضائيات والانترنت.

أصبحنا أمام جيل يعاني مشكلة حقيقية في المستوى الثقافي وأصبح بيئة صالحة لأحزاب التطرف والغلو مستغلة الضحالة الثقافية لتحشو عقولهم بأفكار التطرف السياسي الديني.

ونضحك على أنفسنا لنصوره بأنه جيل يستخدم التكنولوجيا وبأنه جيل واعد. إن نسبة لا تزيد على 10% فقط من الشباب والشابات من ينطبق عليهم ذلك في تحصين أنفسهم علمياً وثقافياً ضد إسفاف الفضائيات وغيرها، وهذه النسبة تقديرية من خلال معايشتنا لما يجري.

كذلك لابد أن نعرج على برامج بعض التلفزيونات العربية في الدول ذات الأنظمة العسكرية والشمولية، فبرامجها موجهة سياسياً وأيديولوجياً، ولا يشاهدها مواطنوها بسبب الجرعة الزائدة سياسياً وأيديولوجياً وافتقادها للمصداقية بين ما تبثه وما يعيشه المواطن في الواقع إضافة إلى النفاق الاجتماعي والسياسي الطاغي في برامجها، وهو جزء من وضع عام يسود عالمنا العربي هذه الأيام.

لقد تجنبنا ذكر أسماء أشخاص، أو برامج بعينها أو أسماء دول معينة في هذه المقالة لمعرفتنا بأن عدداً لا بأس به من القراء يدرك ما ذهبنا إليه ويعيشه في حياته اليومية. ونعتقد أن التخريب مستمر للثقافة والذوق العام العربي بوعي أو بدون وعي.

ولا سبيل إلى وقف ما تبثه الفضائيات العربية إلا باقتحامها من قبل المثقفين الحقيقيين لتقديم ثقافة جيدة لا تسطح أو تمسخ ثقافتنا، ولا تبث عنفاً أو إرهاباً، ولا تروج الطائفية أو العنصرية بطريق مباشر أو غير مباشر.

وأخيراً لا بد من الإشارة إلى وجود عدد من المستنيرين يقدمون برامج جيدة ونافعة في بعض الفضائيات العربية لكنها قليلة في وسط بحر هائج من البرامج الهابطة والمسطحة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

جامعة الكويت