أيام حكومة اليوسفي الاشتراكية في المغرب كان السياسيون يلاحظون ارتفاع صوت المعارضة عليه, ويعتبرون ذلك في عداد المعوقات التي تمنعه من العمل, وكان الرجل يبدد قلق السياسيين من هذه الظاهرة بالقول: إننا ندع المعارضين يقولون ما يشاؤون, ونفعل نحن ما نريد.
اننا نسوق هذه الامثولة بهدف القول ان المعارضات في الدول الديمقراطية لا تمنع عمل الحكومات التي من واجبها ان تكون قوية وصاحبة قرار, ولاترتعد فرائصها عند اول هبة ريح معارضة من هنا او هناك. ثم ان الحكومات, في الديمقراطيات الحديثة لا تتمتع الا بنصف وجه, بينما نصف الوجه الثاني هو المعارضة.
بهذا المعيار لا يشكل المعارضون في كل البرلمانات عائقا أمام عمل الحكومة, بقدر ما يشكلون حافزا لها على جعل القرارات ومشاريع القوانين في غاية الاكتمال.
ما حدث امس في المجلس كان مظهرا حيويا من مظاهر الديمقراطية الكويتية, لكنه لا يؤثر في مجرى القرار, ولايدخل فيه, على الرغم من امتياز هذه المظاهر بالصراخ والاصوات العالية. ونذكر في هذا الجانب ما كان يرافق قانون إقرار الحقوق السياسية للمرأة الكويتية من حجيج, واحتجاج, وأحيانا تجمع واعتصام, لكن كل هذه المظاهر الصارخة لم تكن هي التي أصدرت القانون التاريخي, بل التفاهمات السياسية بين السلطتين والاتصالات الجانبية بين النواب والوزراء.
وفي العودة الى اسباب ما حدث امس في المجلس, تبرز مماطلة الحكومة في المقدمة, فهذه المماطلة استهلكت الوقت من دون نتيجة, وساهمت في إشاعة الاحتقان السياسي, ونقلت الموضوع الى الشارع, وأطلقت صراع الارادات والمصالح.ولو من بداية فتح ملف تعديل الدوائر قررت الحكومة ماتشاء وتقدمت به الى المجلس, اذا كانت مقتنعة لما حصل ما حصل, وكل ما سيكون متوقعا هو مناقشة مشروع قانون التعديل من قبل الرأي العام الكويتي, ويمكن بعد ذلك ان تتم الموافقة عليه, ولا يصل الى الشارع تتداول فيه العامة وتتصارع حوله الارادات. كان يمكن ان يتحقق هذا الافتراض بعد ان يحسب كل طرف سياسي أين مصلحته,ومن أين يستفيد, في نطاق الأطر الدستورية والهوامش الديمقراطية.
الخطأ في الاساس خطأ الحكومة, فهي حركت المياه الراكدة, في الوقت الذي كان من واجبها ان تقول ماذا تريد, وان توضح ارادتها مدعومة بالدراسة ومعرفة الابعاد, بحيث يمكنها الرد على اي نائب, او على اي صحيفة بمجرد إدلائهما بأي كلمة اعتراض. وفي العادة, وعندما تطرح أوساط السياسيين, واطراف المجتمع المدني تخوفات عادلة, يجب ان يتوفر لها رد من الحكومة عادل ومنطقي, ومكتمل الحجة, على الاقل لمنع التجاذبات بين الانواع السياسية في البلد, طائفية او قبلية او عائلية.
في برلمانات العالم يحصل هذا الهرج والمرج الذي شاهدناه امس في مجلس الامة الكويتي, الذي شهد في السابق الكثير من »الخناقات الديمقراطية«, لكن هذا الامر, مهما اتسم بالضجيج العالي, لن يؤدي الى حل المجلس, وبالتالي فإننا نعتقد أنه لا الحكومة تفكر بحل المجلس, على هذه الخلفية الطبيعية ولا المجلس يفكر بالعمل على استقالة الحكومة. أما »الهوامش« فسيظل مظهرا ديمقراطيا يعبر عن حيوية الحراك السياسي, ولايؤثر في صدور القرارات ومشاريع القوانين, تماما كما كان دوره مصاحبا لظروف إصدار قانون الحقوق السياسية للمرأة, لا مؤثرا فيه ولا باعثا له.
وفي نهاية الامر لا يسعنا الا ان نقول »لعله خير« »وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم« كما يقول رب العالمين.
أحمد الجارالله