جاء اعتراف الحكومة الأميركية الرسمي بدولة إسرائيل في عام 1948 بعد ساعات قليلة من إعلان قيام الدولة اليهودية. وفي أعقاب ذلك الاعتراف مباشرة سارعت الإدارة الأميركية بتقديم قرض مالي للكيان الصهيوني بمقدار 100 مليون دولار.
ولقد كان ذلك القرض بداية لالتزام أميركي بمد إسرائيل بالمعونات المالية وغير المالية، حيث اتجه حجم المعونات نحو التزايد المستمر والتحول التدريجي من القروض إلى المنح التي لا ترد.
ومع الأيام، وتزايد نشاط ونفوذ اللوبي الصهيوني اتسع نطاق برنامج المعونات الأميركية لإسرائيل ليشمل المعونات العسكرية إلى جانب المعونات الاقتصادية، من ثم المعونات الخاصة كالمعونات التعليمية وغير ذلك.
بالرغم من تنامي حجم الدعم الأميركي لإسرائيل باستمرار، إلا انه بقي وحتى منتصف الستينات من القرن الماضي، متواضعا نوعا ما، حيث اقتصر على الدعم الدبلوماسي في المحافل الدولية وتقديم بعض المعونات الاقتصادية.
ولقد استهدف الدعم في حينه تأمين بقاء الدولة اليهودية ودعم اقتصادها الذي كان يعاني من الضعف وعدم القدرة على استيعاب ملايين المهاجرين من اليهود إلى فلسطين. في عام 1960 قرر الرئيس كنيدي بيع إسرائيل معدات عسكرية لأول مرة.
وبالتالي دخل برنامج المعونات حيز الدعم العسكري إلى جانب الدعم الاقتصادي والدبلوماسي. ولقد بلغ إجمالي المعونات في عقد الخمسينات حوالي 550 مليون دولار كان نصفها منحا والنصف الآخر قروضا.
بعد اغتيال الرئيس كنيدي في عام 1963 تولى نائبه لندون جونسون الحكم، حيث كان عهده بداية لتصعيد الدعم الدبلوماسي للكيان الصهيوني، وفي الوقت ذاته بداية العداء الأميركي للعرب.
ولقد جاءت بدايات التغير في الموقف الأميركي حين قامت إدارة الرئيس جونسون باستخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي في عام 1967 للحيلولة دون نص قرار وقف إطلاق النار أثناء حرب يونيو على انسحاب القوات المتحاربة إلى خطوط الهدنة السابقة، وبالتالي السماح لإسرائيل باحتلال أراض عربية جديدة في كل من الضفة الغربية وغزة وسيناء والجولان.
وبعد أسبوع من وقف العمليات العسكرية قال الرئيس جونسون «إن العودة إلى خطوط الهدنة الهشة ليست وصفة لتحقيق السلام وإنما هي وصفة لعودة الاشتباكات».
في العام التالي 1968 رفعت إدارة جونسون المعونات بمقدار 400% في عام واحد، ثم رفعتها بمقدار 60% في العام التالي، حيث بلغت المعونات في عام 1969 أكثر من 160 مليون دولار، قدم ما يزيد على نصفها على شكل معونات عسكرية.
رغم ذلك بقي الدعم متواضعا حيث بلغ خلال عقد الستينات حوالي 835 مليون دولار، كان أغلبها قروضا. ومع بداية السبعينات اخذ حجم المعونات بالتزايد السريع، حيث تجاوز في عام 1971 وحده حجم كافة المعونات التي استلمتها إسرائيل على مدى عقد الخمسينات.
ولقد كان من نتائج ذلك الدعم الكبير وغير المشروط الانتقال من مبدأ التزام أميركا بالحفاظ على أمن وبقاء إسرائيل ضمن حدود عام 1948 إلى تأييد أطماعها التوسعية ومساعدتها دبلوماسيا ومعنويا وماليا وعسكريا على تكريس احتلالها للأراضي العربية التي استولت عليها في العام 1967.
في العام 1973 قامت إدارة الرئيس نيكسون بإنقاذ إسرائيل من هزيمة محققة على أيدي القوات المصرية والسورية التي شنت في أكتوبر من ذلك العام هجوما مفاجئا على قوات الاحتلال الصهيونية.
ولقد استهدف الرئيس السادات من شن تلك الحرب الإخلال بموازين القوى التي كانت قائمة حينئذ وخلق أوضاع جديدة تسمح بتحرير الأراضي العربية التي احتلت في العام 1967. إلا أن إدارة الرئيس نيكسون، وتحت إشراف مستشاره لشؤون الأمن القومي هنري كيسنجر، حالت دون تحقيق الأهداف العربية.
فحال وقوع حرب أكتوبر قامت الحكومة الأميركية بإمداد إسرائيل بكميات كبيرة للغاية من المعدات العسكرية وقطع الغيار، اشتملت على 40 طائرة مقاتلة من طراز فانتوم و 38 طائرة من طراز سكاي هوك و12 طائرة نقل عسكرية و20 مدرعة وغيرها من الأسلحة.
ولقد تم شحن تلك المعدات والتي بلغ حجمها حوالي 22 ألف طن خلال عشرة أيام فقط وتم سحب معظمها من القوات الأميركية المرابطة في ألمانيا في مواجهة الاتحاد السوفييتي. إضافة إلى ذلك اقر الكونجرس الأميركي تشريعا خاصا لمواجهة الطوارئ حصلت إسرائيل بموجبه على 202 مليون دولار كمعونة خاصة.
كان من النتائج المباشرة للدعم الأميركي لإسرائيل في العام 1973 اقتناع الدولة اليهودية بان أميركا لن تتخلى عنها، وأن بإمكانها الاستمرار في احتلال الأراضي العربية.
وفي الواقع، ساهمت المعونات الأميركية في حينه في حرمان العرب من فرصة تحرير أراضيهم المحتلة وتفويت فرصة كبيرة لإحلال السلام في المنطقة. ومنذ ذلك الحين.
وبسبب أفعال كيسنجر تمكن اليهود من التسلل لمراكز صنع القرار السياسي، كما أصبح بإمكان اللوبي الصهيوني إحكام سيطرته على الكونجرس الذي أصبح عبارة عن مطية لقوى اللوبي الصهيوني.
وكما قال احد المسؤولين في اللوبي إن مهمة رجاله أصبحت العمل على تخصيص اكبر قدر ممكن من المال لبرنامج المعونات الخارجية، ومن ثم العمل على تخصيص اكبر نسبة من ذلك المال لإسرائيل. وعلى سبيل المثال، حصلت إسرائيل على 2646 مليون دولار عام 1974 وعلى حوالي 2655 مليون دولار عام 1976.
وبعد وصول الرئيس ريجان للحكم في عام 1981 أصبحت المعونات تتدفق على إسرائيل وكأنها نهر لا ينقطع أبدا، حيث وصل حجم المعونات إلى أرقام خيالية تجاوزت 5000 مليون دولار في السنة، كما أصبحت كل المعونات ابتداء من عام 1985 عبارة عن منح لا ترد.
يقدر جين ميرشهايمر وستيفن وولت حجم المعونات التي تسلمتها إسرائيل من أميركا فيما بين عامي 1973 و2005 بحوالي 140 مليار دولار. لكن، وبالرغم من كبر حجم هذا الرقم، فإن تقديراتي لما تلقته إسرائيل من معونات منذ قيام الدولة وحتى نهاية العام الماضي تتجاوز مبلغ 200 مليار دولار.
وذلك إذا ما أخذنا بعين الاعتبار المعونات غير المباشرة والمعونات الشعبية التي جاء معظمها من يهود أميركا. أما إذا أدخلنا في الحسبان تكلفة الدعم الأميركي المطلق لإسرائيل والذي تسبب، بين أشياء أخرى، في أزمة الطاقة الأولى في العام 1973، ودفع إدارة بوش إلى غزو العراق في عام 2003 حفاظا على المصالح الإسرائيلية فإن التكلفة الحقيقية تتجاوز ألف مليار دولار.
وكما أشارت التقارير والوثائق المنشورة، قام الرئيس بوش بغزو العراق تنفيذا لخطة كانت مجموعة المحافظين الجدد قد وضعتها وعرضتها على بنيامين نتنياهو حين كان يشغل منصب رئيس وزراء إسرائيل في أواخر التسعينات، إلا أن نتنياهو رفض تلك الخطة لأنه اعتبرها خيالية وخطرة للغاية. لكن بوش.
وبسبب جهله وقيامه بتسليم أمور البلاد لمجموعة من العنصريين الملتزمين بمصلحة إسرائيل دون سواها وعدائهم المطلق للعرب المسلمين وجد في تلك الخطة فرصة لدخول التاريخ كأكثر من جلب لأميركا كراهية معظم شعوب الأرض وتسبب في مضاعفة حجم وحدة الإرهاب الدولي.
أكاديمي أميركي من أصل عربي
proffesorrabie@yahoo.com