خلق الله في الإنسان فما واحدا وأنفا واحدا، وخلق له عينان وأذنان، ربما ليضاعف البصر والسمع، والإنسان العربي خُلق له مثل ما خُلق للآخرين، إنما زاد على ذلك بأن حظاه بمعلّقين وكتاب في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، أكثرهم يُصر كل يوم على إرغامه بأن يسمع بأذن واحدة، ويرى بعين واحدة الأحداث الساخنة المحيطة به.
ولضرب المثل فإن هناك قضيتين تداولتا في الأسابيع الأخيرة في وسائل إعلامنا، وكان لمعظم من كتب أو تحدث فيهما رؤية أراد لنا من خلالها أن نرى جميعا بعين واحدة، إما تجاهلا أو جهلا.
القضية الأولى مقارنة الانتخابات الفلسطينية بالانتخابات العراقية، والثانية ما يحدث من أزمات في الحلبة السياسية الغربية (أوروبا)، خاصة أزمة الحكم في بريطانيا والتغيير الذي تم في ايطاليا.
ويربطه بأحداث عربية، فيقرر بقطعية يحسد عليها أن تلك الأحداث السياسية على الجانب الغربي، هي عقوبات لا غير، على ما يرتكبوه من سياسات خاطئة تجاهنا!.
في المقارنة بين الانتخابات الفلسطينية والانتخابات العراقية، نجد أن معظم ما نقرأ لا يخرج عن القول إن الانتخابات الفلسطينية كانت انتخابات حرة ونزيهة، ونتج عنها وصول قوى سياسية هي (حماس) التي يفضلها الشارع الفلسطيني لتقوده في هذه المرحلة من مراحل نضاله المشروع، وكل ذلك حق، ولكن التحليل ذاك يضيف، أن هناك عقبات تقف أمام هذه القيادة السياسية الجديدة.
وهي عقبات تعبر عن (صلف) الغرب بعدم الاعتراف بنتائج الانتخابات، ذلك الموقف يحول دون أن تقوم الحكومة الحماسية بدورها المرتقب والمرجو، لذا يضيف التحليل، أن هذا الغرب يسقط في اختبار أخلاقي ذريع، فمن جهة يطالب بديمقراطية وصناديق انتخاب، ومن جهة أخرى يحجر على من انتخبهم الشارع الفلسطيني أن يقوموا بدورهم.
ومن جهة ثالثة ينتقد نفس الأشخاص تقريبا بمرارة الانتخابات التي تمت مؤخرا في العراق، ويصف تلك الانتخابات، التي سعى إليها حوالي ثمانية ملايين عراقي،أنها تمت تحت نير الاحتلال، فهي، من وجهة نظر ذلك التحليل، لا تساوي ثمن الورق الذي صوت به الناخبون العراقيون.
في هذا المنظور التحليلي غير المتوازن، يرى ذلك البعض بعين واحدة فقط، فهم لا ينتبهون، أو لا يريدون أن ينتبهوا، أن المقارنة لا تتفق مع العقل، فإن كانت مثالب التصويت العراقي في الانتخابات الأخيرة تمت تحت «نير الاحتلال الأميركي» فإن الانتخابات الفلسطينية تمت تحت «نير الاحتلال الإسرائيلي» .
والذي ربما يكون أكثر صلافة وقسوة، حيث منع بعض الفلسطينيين في أماكن عديدة حتى من الاقتراب لصناديق الانتخاب من اجل التصويت لمرشحيهم؟ فكيف يتسنى لنا القول إن: هنا انتخابات «حرة ونزيهة» وهناك غير ذلك!
لا يعني هذا القول أن الموقف الغربي من نتائج الانتخابات الفلسطينية هو موقف مقبول، ولكن يعني أن المقارنة هي التي تقع تحت طائلة اللاعقلانية.
الموقف الغربي المعلن من نتائج الانتخابات الفلسطينية له دوافع أخرى (غير عدم الاعتراف بنتائج الانتخابات) بل إن له علاقة بشروط الحكم العقلاني، فأي حركة سياسية لا تستطيع أن تشكل «المعارضة والحكومة» في نفس الوقت. ولعل ما كثر الحديث عنه في الأسبوع الماضي والخاص باكتشاف أسلحة مهربة للأردن، قامت بها بعض «فصائل حماس» يكشف عن بعض التناقض ذلك.
ويشكل المعضلة التي سوف تبقى معنا لفترة وتتجلى في أشكال عديدة، حتى يبدأ العقلاء بمناقشة المعضلة على رؤوس الأشهاد، وحتى لا تسقط حماس في بعثرة المجهود الفلسطيني بين داخل وخارج، وبين غرف مغلقة وميكرفونات مفتوحة.
وبين اشتباك وهدنة بين الفصائل المختلفة، وهناك خيارات سياسية متاحة لحكومة حماس يبدو أنها تفرط بها، اقلها التمسك العلني بالمبادرة العربية، من بين خيارات أخرى.
ليس في الأمر خيار لتوصيف الواقع فهناك احتلال إسرائيلي صلف وقامع للفلسطينيين، هذا أمر واقع ويومي، إلا أن الخيار السياسي هو إما السعي مع المجتمع الدولي لدحر هذا الأمر أو التخفيف منه.
وإما خلق الظروف الموضوعية لزيادة صلفه وتبريره أمام العالم، في عصر يعرف الجميع أنه عصر يحتاج إلى قوتي العقل والمنطق والحشد، كما يحتاج إلى قوة المقاومة،التي قد تأخذ أشكالا مختلفة حسب الظرف المتغيرة.
على المقلب الآخر يريد بعض المحليين أن يفهمونا أن ما حدث من نتائج انتخابية في ايطاليا بخسارة بيرلسكوني ونجاح غريمه السياسي،أو الصعوبات التي تواجه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، هي نتاج موقف واحد وحيد هو «موقف حكومتيهما» من احتلال العراق! وهو أمر عندما يقرأه المواطن العربي الفطن يشعر أن هناك توجها مسبقا للتسطيح والتضليل.
حتى لو افترضنا أن عامل «الحرب على العراق» له بعض التأثير في ما حدث في ايطاليا وما يحدث في بريطانيا، إلا أن بعض التأثير هذا لا يتجاوز نسبة ضئيلة من أسباب الأحداث التي خسّرت بيرلسكوني الانتخابات، أو التي تواجه بلير.
وهناك أزمات مشابهة تواجه جاك شيراك في آخر سنوات حكمه، كما واجهت السلطة الألمانية السابقة، وهما، أي ألمانيا وفرنسا، لم تشاركا في حرب العراق.!
هناك ديمقراطية غربية تعمل بالآليات الساعية للتغيير والتجديد، وهناك عناصر داخلية في تلك المجتمعات تتصادم وتختلف، أساسها اقتصادي ينتج عنها التغيير المطلوب سياسيا .
في الحالة البريطانية وضوح أكثر يقنع العاقل بعدم تلازم ما يحدث بالحرب على العراق، فقد خاض حزب العمال بزعامة توني بلير انتخابات عامة منذ أكثر من عام فقط، وحصل على أغلبية مريحة في البرلمان الحالي، ولو كان الناخب البريطاني يريد أن يعاقب حزب العمال والسيد بلير على ما قام به في العراق، لكانت نتائج الانتخابات تلك قد أظهرت ذلك الغضب، فقد خيضت بعد الحرب بما يقارب العام، وكانت أخبار الحرب ساخنة ومقصدها ضبابي أكثر منه الآن.
ينسى بعض المحللين أو يتناسون أن المجتمعات الغربية تمر بمرحلة «فوق ديمقراطية» إن صح التعبير، وهي التي تعني انه حتى لو تسنى لزعيم خوض انتخابات ناجحة أو حتى تحقيق نصر مؤزر في حرب (كما حدث لونستون تشرشل بعيد الحرب الثانية أو للسيدة مارجريت تاتشر بعيد حرب الفوكلند) فإن الشعب يضيق بالزعامات الدائمة.
لهذا السبب النفسي ربما قرر رجال التأسيس الأميركي، بعد فترة قصيرة من تجربة الرئاسات التي ليس لها سقف زمني، أن يحددوا السقف الزمني للرئيس الأميركي بثماني سنوات متعاقبة لا غير!
مثل تلك التحليلات التي يقرأها البعض على أنها حقيقة كاملة ونهائية، تغري المتلقي العربي بأن ينظر بعين واحدة، وتوظف على غير ما هو حقيقي وواقعي، والأنكى من كل ذلك أن يصدق بها المسؤول العربي ويرتاح إليها وهي مبنية على وقائع متخيلة وتكيف مصلحي، وسوء قراءة في علامات الأزمنة، فيتكيء عليها في اتخاذ قراراته، كونها حقائق غير قابلة للجدل.
كاتب كويتي