منذ بداية القرن العشرين واجه الشعب الفلسطيني سلسلة طويلة من الوعود الخطيرة والمؤامرات والقرارات المجحفة التي استهدفت وجوده في وطنه فلسطين. صدر وعد بلفور في الثاني من نوفمبر عام 1917 حيث أوصى بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

في 22 نوفمبر 1947 صدر قرار من الأمم المتحدة رقم 181 بتقسيم فلسطين بين أهل البلاد الشرعيين من الغالبية العرب وبين الأقلية اليهود القادمين في معظمهم من مختلف بقاع الأرض (أعطى قرار التقسيم 55% من أرض فلسطين لليهود مقابل 45% للعرب).

رفض العرب في ذلك الوقت قرار التقسيم نيابة عن اليهود!؛ كان سيرفضه اليهود لو لم يسبقهم العرب إلى رفضه أو أن يفسره اليهود تفسيراً أحادي الجانب يؤدي بالعرب في النهاية إلى رفضه.

كبقية القرارات الصادرة عن جهات دولية بحق القضية الفلسطينية، تقبل إسرائيل ما يرضيها منها وتترك ما تبقى منه بين أخذ ورد ونقاش بيزنطي للجانب الآخر. بعد قرار تقسيم فلسطين بنصف سنة تقريباً أعلن عن قيام دولة إسرائيل في 15 مايو عام 1948 على كل ما احتل من فلسطين التاريخية المخصص منه للعرب ولليهود في قرار التقسيم على حد سواء.

كانت فلسطين ترزح منذ العام 1922 تحت الانتداب البريطاني الذي لولاه لما حدثت كارثة 15 مايو 1948 ؛ منتهكاً بذلك قوانين الانتداب على الدول التي لا تسمح بقيام دولة الانتداب بأي تغييرات ديموغرافية في الدولة تحت الانتداب.

على العكس من ذلك قام الانتداب البريطاني بعمليات عسكرية وأمنية وإدارية واسعة ضد الفلسطينيين وساعد في عملية اغتصاب أراضي شعب فلسطين لصالح المستعمرين اليهود الذين كانت تستقطبهم الدعاية الصهيونية.

تلا نكبة فلسطين الكبرى في 15 مايو عام 1948 مباشرة خروج موجات من اللاجئين والمشردين والنازحين عن ديارهم في فلسطين وخارجها هرباً من المذابح الإسرائيلية.

وليتعرضوا بعدها لأنواع شتى من المعاناة والمقاساة والعيش في ظروف دون ـ حضارية. بالرغم من حالة الشظف والتشرد لجأ الفلسطينيون إلى النضال بكافة الوسائل المتاحة، بالكلمة والإضراب والبندقية، في ظل عجز عربي ودولي شبه مطلق ولمدة تقترب الآن من الستين عاماً.

لم يفقد الفلسطينيون الأمل ولم يخب نضالهم في سبيل العودة إلى فلسطين بالرغم من الحملات الإعلامية والثقافية التي تلت النكبة الكبرى والتي تهدف إلى زرع بذور الهزيمة في النفسية والعقلية الفلسطينية. وصلت حركة المقاومة والنضال الفلسطيني أوجها بإعلان الكفاح المسلح المنظم عام 1965 كطريقة وحيدة وشرعية لتحرير فلسطين وإعادة الحقوق المشروعة إلى أهلها.

قسمت نكبة 15 مايو وما تلاها الفلسطينيين إلى ثلاثة أقسام رئيسية؛ القسم الأول يضم من بقي في فلسطين وأجبر على أن يكون جزءاً من الدولة الإسرائيلية المقامة على أنقاض دولة فلسطين التاريخية والقسم الثاني لجأ إلى الدول المجاورة والبعيدة ليعيش حياة بؤس في المخيمات والغربة الموحشة والقسم الثالث يتركز في قطاع غزة والضفة الغربية تم إلحاقه بدولتي مصر والأردن، على التوالي.

يشكل هذا التقسيم للشعب الفلسطيني جسم مثلث يمثل مأساة وقضية شعب وقع تحت سطوة مؤامرة دولية مستمرة يلعب فيها الصديق والعدو والقريب أدواراً متقاربة هدفها النهائي هو إلحاق هزيمة كاملة بالشعب الفلسطيني تؤدي به إلى التخلي الطوعي عن حقوقه في وطنه الأصلي فلسطين والبقاء حيثما أخذته وتأخذه رياح النكبة الأولى وما تلاها من نكبات ونكسات.

إلا أن الشعب الفلسطيني، وبكل فئاته الثلاث المذكورة أعلاه، متفق بالإجماع على حق العودة المقدس إلى فلسطين التاريخية بالرغم من الظلام السياسي الدامس المحيط بالقضية الفلسطينية.

لا يزال يواجه جل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج هجمة مكثفة وشرسة تشتمل على تعريضه لشتى أنواع الحصار الخانق وتقطيع الأوصال ومصادرة أراضيه وتقطيع أشجار مزارعه وقتل وجرح واعتقال شبابه ونسائه وأطفاله وتدمير بيوته وتهويد مقدساته.

وغير ذلك من الإجراءات ذات الطابع الفاشي الحاقد. ثم يحرّم على الفلسطيني حقه من التوجه إلى منظمة الأمم المتحدة التي تمثل كافة شعوب العالم لتقديم شكوى ضد إسرائيل على الممارسات القمعية التي تفوق في مجملها أعمال النازيين في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية.

لا تتوانى الإدارات الأميركية عن استعمال حق الفيتو ضد أي قرار يحاول المس بإسرائيل حتى في الحالات الإنسانية الصارخة مثل الفيتو الذي استخدم في 25 مارس عام 2004 لمنع إدانة إسرائيل في جريمة قتل الشهيد الشيخ أحمد ياسين على كرسيه المتحرك وأمام باب المسجد بصواريخ ذات تقنية عالية وموجهة عن بعد.

قبل ما يربو عن عقد من السنين تم استدراج قيادة الشعب الفلسطيني إلى ما يعرف شعبياً بطبخة أوسلو حيث أرادت إسرائيل إنجاز ما عجزت عن الحصول عليه باستخدام جبروتها العسكري الإقليمي بطريقة سلمية.

الناظر إلى وضع جلسات التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين يرى أنه أقرب إلى الضحك على لحى وذقون القيادات السياسية منه إلى أي نوع من أنواع السلام القائم على أي نوع من العدل. يأتي هذا في ظل ظروف غاية في القسوة على الشعب الفلسطيني من الحصار والتجويع والخذلان «الأخوي».

والزج به في أتون صراع جانبي داخلي تأمل إسرائيل أن يؤدي ذلك إلى التسريع في تقديم التنازلات التي تأتي حتى على كل الثوابت الأساسية في قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي.

لكن الجميع يدرك أن لدى الفلسطينيين طاقات جبارة وحقا استراتيجيا في إقامة دولة مستقلة للشعب الفلسطيني أسوة ببقية شعوب العالم. لا يوجد شيء اسمه مستحيل في قاموس الشعوب أمام أقوى أنواع الجبروت.

إسرائيل في حالة افتقار دائم لشرعية احتلالها لفلسطين وفي حالة اعتداء دائم وكامل على الحقوق الفلسطينية، الوطنية والإنسانية. لا يؤيد إسرائيل في أعمالها العدوانية التعسفية سوى عدد قليل من الحكومات التي تقع تحت تأثير اللوبي الصهيوني المتغطرس.

خلاصة القول إن كافة الإجراءات الإسرائيلية، التي حظيت وتحظى بدعم غربي لا ـ محدود ولما يزيد على قرن من الزمن، أدت إلى إحداث تدمير شبه كلي لحياة ومستقبل أكثر من خمسة ملايين فلسطيني. فشلت إسرائيل في تحقيق أهدافها في أن تعيش بأمن وسلام في المنطقة.

تعتمد إسرائيل في بقائها على القوة والإجراءات العدوانية ضد الإنسان والإنسانية. بذلك تفقد إسرائيل شرعية وجودها. لجأت إسرائيل أخيراً إلى فرض حصار غذاء ودواء خانقين على الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال في قطاع غزة والضفة الغربية.

يؤثر حصار الدواء بشكل خاص على المصابين بأمراض مستعصية مثل السكري والسرطان والثلاسيميا والفشل الكلوي وأمراض القلب والكبد والأعصاب. يدل ذلك على أن الاحتلال الإسرائيلي يفقد عقله وأعصابه في مواجهة إرادة الشعب الفلسطيني المؤمن بعدالة قضيته وحق تقرير مصيره بنفسه، وحتى آخر نبضة في عروقه.

مثله مثل بقية الشعوب العريقة الأخرى في مختلف القارات وعلى مر التاريخ البشري يثبت الشعب الفلسطيني أنه شعب من الممكن أن يُقتل ويُدمَّر وتُذبح أطفاله وشيوخه ونساؤه لكنه غير قابل لأن يُهزم أو يُقهر.

جامعة الإمارات