في عام 1946، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ألقى ونستون تشرتشل خطاب فولتون الشهير الذي تحدث فيه لأول مرة عن «الستار الحديدي» مطلقا إشارة البدء لإعلان «الحرب الباردة». وبعد انهيار جدار برلين قبل 16 عاما، وتتابع انهيار الاتحاد السوفييتي ودول اشتراكية أخرى، ساد الاعتقاد حتى السنوات الأخيرة بأن خطاب تشرتشل قد طواه التاريخ.

غير أن نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني أطلق في 4 مايو في العاصمة اللتواتية فيلنوس نسخة معدلة من خطاب تشرتشل، ملمحا بنذر «الحرب الباردة». وبغض النظر عن فحوى الخطاب الذي سنعود إليه، فإن عدة ظروف تشير إلى أبعاده العالمية الخطيرة.

الموقع هو إحدى الجمهوريات السوفييتية السابقة، أي على مقربة من أذني الرئيس بوتين الذي سيستضيف في بطرسبورغ لقاء «الثمانية الكبار» في شهر يوليو المقبل.

والمناسبة هي مؤتمر دولي لما سمي «بالنطاق الواقي» لحماية الديمقراطية المكون من عدد من دول المنطقة. وأخيرا، كما يقول بات بوكنان في «الصوت المحافظ» ان من ينفخ في تشيني هذه الروح ويباركها هو جون ماكاين الذي يتقدم مرشحي الحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية القادمة. ومن هنا يتضح أن الجمهوريين يعدون أميركا بسياسة خارجية تحمل هذه النزعة لسبع سنوات مقبلة.

قال تشيني في خطابه ان الدولة الروسية تحد بغير وجه حق ودون عدل من حقوق الشعب في كثير من مجالات المجتمع المدني. واتهم روسيا أنها تلحق الضرر بوحدة أراضي الدول المجاورة وتعيق عملية التطور الديمقراطي فيها.

وأنها تستخدم النفط والغاز كأدوات للتخويف واستعراض العضلات سواء بالنسبة للإمدادات أو احتكار طرق أنابيب النفط والغاز. وبلهجة محذرة خير روسيا بين أن تصبح حليفا استراتيجيا وصديقا وفيا وتعود إلى الديمقراطية أو تصبح عدوا ! والأفضل أن تحدد خيارها قبل لقاء «الثمانية» في بطرسبورغ.

هذا التحذير ينطوي على موقف مسبق. فحتى لو أعلنت روسيا التزامها الديمقراطية ستظل «الأوراق الثبوتية» غير كافية. إن داعية للتحولات الديمقراطية الجذرية مثل الرئيس السوفييتي السابق ميخائيل غورباتشوف يبدي امتعاضه من خطاب تشيني واصفا إياه بالاستفزاز والتدخل في شؤون روسيا الداخلية.

ويقترح عدم محاورة الأميركيين حول ما جاء فيه. وتعتقد صحيفة «النيويورك تايمز» أن هذا الخطاب «يعني أن العلاقات بين البلدين متوترة بما فيه الكفاية، وقد تزداد سوءا في الأشهر المقبلة».

يعرف المتتبع أن تشيني غير صادق بوجه عام. فخلال جولته زار كازاخستان الغنية بالنفط والفقيرة بالديمقراطية، حيث يمنع رئيسها نشاط المعارضة ويسكت الصحف ويتوعد منظمات الحق. وفي تصريح له أصدره البيت الأبيض قال تشيني إن أميركا فخورة بأن لديها شريكا استراتيجيا كنزاربايف وتأمل في صداقة طويلة معه.

وإذا كانت روسيا قررت معاقبة أوكرانيا على تحالفها مع الناتو ضدها بحرمانها من أسعار الغاز التفضيلية، فعلام اعتراض أميركا ؟ أليست هي صاحبة مبدأ مونرو لمنع تدخل أية قوة خارجية في شؤون «نصف كرتنا الأرضية»؟

وعلى هذا الأساس أوقفت استيراد السكر من كوبا منذ بداية الستينات ولا تزال العقوبات الاقتصادية سارية حتى الآن. ألا تعمل أميركا الآن على معاقبة روسيا، وفي عقر دارها، بأن لا تمر خطوط أنابيب النفط والغاز من آسيا الوسطى إلى الغرب عبر الأراضي الروسية (وكذلك الإيرانية) ؟

عندما يتحدث تشيني عن النفط فإنه يقترب من حقيقة الأمر. هنا حققت روسيا بالفعل ما يتعارض والمصالح الأميركية ويعزز انبعاث روسيا الذي أصبح يثير الرعب لدى الأميركيين. حسب معطيات مصرف «ترويكا ـ ديالوج» الاستثماري شكل الناتج الإجمالي القومي الروسي عام 1999 أقل من 200 مليار دولار، أما في عام 2006 فقد اقترب من ترليون دولار!

وتيرة النمو تزيد على 25% سنويا. وبما أن الرفاه الروسي يستند إلى سلع استراتيجية، وخصوصا النفط والغاز، وليس تكنولوجيا المعلومات أو سلع الاستهلاك الواسع فإن وزن روسيا كلاعب جيوسياسي سوف يتعاظم. وقد أجادت روسيا لعب قدراتها هذه لمد علاقاتها التجارية والسياسية غربا وشرقا.

ملامح محوري برلين ـ موسكو وموسكو ـ الصين، إضافة إلى عودة علاقاتها مع دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا بقوة.. ذلك ما يفزع واشنطن ويستعجلها لإقامة (النطاق الواقي) الذي يعني الاستمرار في تغلغل الناتو شرقا. لكن بوكنان يحذر قادة بلاده من مغبة ذلك: «إذاً لن نكف عن التصرف كما فعلت الإمبراطورية البريطانية فإن مصيرنا سيكون كمصيرها».

في خطابه الأربعاء الماضي حول حالة الاتحاد الروسي لم يرد بوتين على تشيني مباشرة. لكنه قال بأن الوقائع تؤكد أن سباق التسلح في العالم ماض كما هو، وبالنسبة لروسيا فقد تغير الوضع التمويلي للجيش بشكل جذري مقارنة بسنوات التسعينات وأن أسلحة وسفنا وغواصات جديدة وصواريخ غير قابلة للاعتراض في كل الظروف قد أصبحت في حوزة القوات المسلحة.

وأكد أن دعم القدرات القتالية للجيش الروسي يبقى الشرط الضروري للحفاظ على التوازن الاستراتيجي في العالم. وأشار إلى أن ما تنفقه روسيا على الجيش يمكن مقارنته بالميزانيات العسكرية لفرنسا أو بريطانيا أو أقل.

أما بالمقارنة مع النفقات الأميركية فيقل 25 مرة! وبعد فترة صمت قال: «إنهم شطار.. بيتهم - قلعتهم»، ودون أن يسمي أميركا أشار إلى أن ذئبا يريد أن يأكل كل شيء، دون أن يوقفه شيء.

وطمأن بوتين شعبه بأن روسيا لن تكرر خطأ الاتحاد السوفييتي بحل مسائل البناء العسكري على حساب المجال الاجتماعي. ولدى بوتين من «البترو روبل» الآن ومن الإرادة السياسية ما يجعله ينجز وعده، خصوصا وأنه يجد في ذلك دعم الحزب الشيوعي والأحزاب اليسارية والقومية.

ترى هل أميركا، الغارقة في مشاكلها الاقتصادية الداخلية والأمنية حول العالم بحاجة لعودة «الحرب الباردة» مع المارد النووي الروسي الذي يستعيد جبروته؟

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com