عندما وافقت كل الأطراف العراقية، بعد انتخابات يناير الماضي، على المشاركة في الحكومة الجديدة، انتعش الأمل وبدأت ترجح كفة التفاؤل بإمكانية استكمال العملية السياسية، في المدى القريب.
التعثر الذي تسببت به مقاطعة أطراف معينة في الانتخابات السابقة، زالت حيثياته، هذه المرة، وعليه شاع الاعتقاد بأن هناك حالة استدراك على الساحة، تنطوي على وعي بأهمية المشاركة، وبالتالي على استعداد لإبداء المرونة المطلوبة، من قبل الجميع، من أجل بلوغ الصيغة المرغوبة لحكومة وحدة وطنية. ولو بالحد الأدنى الميسور.
امتدت المدة وشطحت، في الأسابيع الأولى ربما كان للإطالة ما يفسرها، إذا لم نقل ما يبررها، فالتجربة جديدة، مناخات الرفض والنفور كانت قد فعلت فعلتها في النفوس والمواقف، لكن التعقيدات ازدادت بفعل التمادي بحرب المطالب والشروط والشروط المضادة. فضلاً عما يشبه الاعتراضات، حول هذا الترشيح أو ذاك، تزايدت الضغوط وساء التردي الأمني والطائفي، بدرجة غير معهودة.
صار الحديث عن الحرب الأهلية، موضوع الساعة، موجات القتل والاغتيال وانتشار فرق الموت، أمور باتت شائعة وكأنها أمر واقع لا مفر من التعايش معه، ثم بعد التغيير الذي حصل على مستوى المكلّف بتشكيل الحكومة، تجدد الأمل مرة أخرى.
كان التصوّر، أو هكذا بدا، بأن المشكلة كانت في شخص الرئيس المكلف، وبالتالي فإن الوزارة الجديدة، باتت بعد التبديل على مرمى حجر، وقد صدرت تلميحات، بل تصريحات علنية، تبشّر باقتراب الفرج. وأكثر من مرة تحددت مواعيد، على مسافة أيام قليلة، لكن كل ذلك تبخّر. بل خلال الأيام الأخيرة، دخلت عملية ولادة الحكومة في المزيد من التعقيد والاشكاليات.
أطراف أعلنت انسحابها من المشاورات احتجاجاً على «النهج التفاوضي» المعتمد، وأطراف أخرى أفصحت عن مطالبها وشروطها، مشفوعة بإصرار قاطع على بلوغ مرادها، وإلا فهي تعود إلى العزوف والبقاء خارج التركيبة.
الآن، صار التأجيل والتأخير يهدد بمضاعفات وانسدادات. عدة استحقاقات على الباب، المهلة الدستورية المعطاة لإنجاز مهمة تأليف الحكومة قاربت على النفاد، حوالي أسبوع وتنتهي، مؤتمر الوفاق الوطني المقرر عقده في بغداد بين 20 و22 من الشهر المقبل، أي بعد حوالي 5 أسابيع، يقتضي أن تكون الحكومة قد صارت جاهزة لكي تسوده أجواء التقارب والتفاهم والبدء بعملية الترميم الداخلي.
لا يستقيم الدخول إلى هكذا مؤتمر بعد فشل متواصل على مدى خمسة أشهر في تأليف الحكومة. فإذا كانت هذه المهمة متعذرة على امتداد شهور، فكيف يمكن لمؤتمر أن يحقق المصالحة خلال يومين؟ هذا فضلاً عن أن استمرار أزمة الحكومة تراوح مكانها قد ساهم في تعميق واقع الفراغ السياسي، الذي شكّل أرضية خصبة لاستفحال العنف وجنوحه أكثر فأكثر نحو الفعل الانتقامي الفئوي.
الدوامة الحكومية بهذه الصورة خطيرة في الأحوال العادية، فكيف تحت الاحتلال؟ والعلة، على ما يبدو، ليست في صعوبة الوصول إلى صيغة متوازنة، العلة تكمن في قاعدة المحاصصة، فهذه شيء والمشاركة شيء آخر، الأولى تطغى فيها المصلحة الضيقة، والثانية مصلحة الوطن. ولابدّ من تغليب الثانية على الأولى وإلا لا خروج من هذا النفق.