لا يكاد ينعقد مؤتمر أو تُنظّم ندوة عن الإعلام في الإمارات إلا ويكون موضوع الهوية المحلية مطروحا بشكل ملح ومكثف، مما يدل على أن هناك مشكلة ما تخص هويتنا الوطنية، وتضعها على قمة أولويات الباحثين والدارسين لأوضاع أجهزة إعلامنا ووسائله؛ المقروء منها والمرئي والمسموع.
هذه الهوية الغائبة في أجهزة إعلامنا كانت حاضرة وبقوة في مؤتمر البيان السنوي الثاني الذي انعقد هذا العام تحت عنوان «الإعلام المحلي في دولة الإمارات.. رؤى مستقبلية». وكانت هناك ثلاث ورقات مهمة تناولت أولاها هذا الموضوع بشكل مباشر.
حيث رصدت الدكتورة أمينة الظاهري عدة ظواهر في ورقتها «هوية البرامج المحلية وتحديات العولمة الثقافية» كان أبرزها أن البرامج المحلية في الإعلام المرئي بالإمارات نادرا ما تتطرق إلى مناقشة القضايا الوطنية التي تشغل مجتمع الإمارات، كقضايا البطالة بين الشباب الإماراتي، وقضية التركيبة السكانية، وقضايا المخدرات، ومشاكل التعليم.
وإن هي تطرقت إلى بعض هذه القضايا فبسطحية تفتقر إلى العمق، لتخلص الورقة في النهاية إلى أن الدور التنموي الذي يفترض أن تقوم به تلفزيوناتنا غائب، ولذلك فهي لا تسهم بالتالي في عملية التنمية الشاملة التي يفترض أن يكون لها دور فاعل فيها.أما الورقة الثانية التي تعرضت فيها الباحثة الإعلامية سوسن فكري للإعلام الناطق باللغة الإنجليزية.
وتأثيره في مجتمع الإمارات فقد كشفت واقعا خطيرا ودورا سلبيا تقوم به الإذاعات التي تبث في دولة الإمارات باللغة الإنجليزية، رغم أنها تتبع جهات حكومية أو ينفق على بعضها من أموال حكومية، مركزة على الرسائل التي تنشرها عبر برامجها، مقدمة من خلال رصد ميداني نماذج من هذه الرسائل التي لا تسيء لشعب الإمارات فقط.
وإنما لقيم الأمة وكل شعوب المنطقة والوطن العربي بشكل عام، داعية إلى التوقف والتفكير في ماهية القيم المرجوة من هذه المحطات ـ التي تضاعف عددها أكثر من ثماني مرات منذ عام 2003 ـ والدور الذي تلعبه في المجتمع.
وفي الورقة الثالثة التي تناولت «الإعلام المحلي بين الحكومي والخاص» خلصت الدكتورة عائشة النعيمي إلى ضرورة خروج الإعلام من حالة الازدواجية في التبعية للقطاع الخاص وإلى الدولة في الوقت ذاته عبر غرس فكرة الانتماء والمواطنة، الأمر الذي يلتقي مع الورقتين السابقتين في الأهداف حتى لو بدا الأمر غير متصل في السياق.
ومع أن الحوارات التي أعقبت الأوراق الثلاث وبقية أوراق المؤتمر قد تميزت بالطرح الجريء والصراحة التامة رغم بعض الاختلاف الذي هو من طبيعة هذا النوع من الملتقيات، إلا أن الأمر ظل في النهاية حبيس القاعة التي أقيم فيها المؤتمر والتقت فيها تلك المجموعة من الأكاديميين والباحثين والإعلاميين والمهتمين بقضايا الإعلام وشؤون المجتمع.
فقد خرج المجتمعون في نهاية اليوم من القاعة ليفتحوا أجهزة الراديو في سياراتهم وهم عائدون إلى بيوتهم فإذا بها لم تتغير أو تتأثر بما قالوا، بل لعل الناطق بالعربية منها قد ازداد إيغالا في تغييب الهوية الوطنية.
والناطق باللغات الأخرى قد تمادى في الاستهزاء بقيم أهل هذا البلد وعاداتهم وحتى قوانينهم أحيانا، ضاربا عرض الحائط بكل ما قيل على مدى يوم طويل من الكلام، غير عابئ بمن يرصد ويقوم بجمع وتحليل كل ما يخرج عنه، حتى إذا ما وصل الذين انفض اجتماعهم إلى بيوتهم وجدوا محطات التلفزيون على الحال التي تركوها عليها، إن لم تفاجئهم بالمزيد من البرامج التي لا تمت بصلة إلى هوية هذا البلد وعادات أهله وتقاليدهم واهتماماتهم.
كأني بها لا تلقي بالا لهذه الهوية التي يرْثون ما غاب منها، وينافحون عن البقية الباقية فيها إن كان ثمة هوية قد تبقت، تحاول المحافظة عليها محطتان أو ثلاث محطات تقف صامدة أمام سيل المحطات الفضائية الحكومية والخاصة التي تتنافس على جذب المشاهد والمعلن، غير عابئة بتخريب ذوقه وهدم قيمه.
وتغيير هويته لأن معيار نجاحها الوحيد هو زيادة مداخيلها من الإعلان والرسائل الهاتفية، بعيدا عن الرسالة التي يفترض أن تحملها والأهداف السامية التي تسعى إلى تحقيقها. فأين يكمن الخلل الذي نجهد أنفسنا في تشخيصه والبحث عن الحلول المناسبة له، بينما يتنامى هو وتتسع رقعته غير عابئ بنا وبجهودنا؟
من يرصد مسيرة إعلامنا المرئي على وجه الخصوص منذ بداياته في أوائل السبعينات من القرن الماضي وحتى أواخر التسعينات وبداية الألفية الثالثة يلحظ انتقالا من النقيض إلى النقيض في الصبغة والتوجهات، فمن إغراق كبير في المحلية والمحافظة على التراث و إبراز هوية البلد، إلى تغريب وتغييب تام للهوية المحلية وتنكر للتراث في انقلابات شهدتها المحطتان الرئيسيتان في الدولة، إلى محاولة لإعادة التوازن من خلال قناتي الإمارات وسما دبي.
والأمر في جميع الأحوال لا يخلو من غياب التخطيط والاستراتيجية الإعلامية التي تسعى إلى تحقيق أهداف تنموية تستمد ملامحها من وجه هذا الوطن، وتضرب بجذورها عميقا في تاريخه وتراثه وعاداته وتقاليده للمحافظة على الوجه الحضاري المميز له، دونما إغفال لواقع المجتمع الحديث الذي يتخذ البعض منه حجة وذريعة لتغييب وجه الوطن الأصيل وطمس هويته.
مستندا إلى النهضة الاقتصادية التي تعيشها الدولة، رابطا بين ازدهار الاقتصاد ومسخ صورة الوطن وتشويه ملامحها، حتى لا تعود تعبّر عن هذه الأرض وأهلها، الأمر الذي يشكل على المدى البعيد خطورة على الأجيال الحالية والقادمة من الأبناء الذين ستتفتح مداركهم على صورة مختلفة للوطن لا تحمل من ملامحه الأصلية شيئا.
خاصة إذا تضافرت مع عملية التغييب هذه عوامل أخرى يضيق المجال عن ذكرها، في ظل تركيبة سكانية أفرزت لنا حتى الآن إذاعات عربية تتحدث بخليط من اللهجات تأتي في المؤخرة منها لهجتنا إن لم تغب عنها.
وأخرى أجنبية تستهزئ بقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا، وصحفا أجنبية لا تجد غضاضة في انتقاد سلوكياتنا وتصيّد المواقف التي تسيء للمواطنين والاحتجاج عليها بشكل مستفز، والتركيز على كل ما هو سلبي في بلدنا.
نحن لا ننكر أننا نعيش في مجتمع متعدد الأجناس والثقافات، وأن طبيعة النمو الاقتصادي الذي شهدته البلاد ومازالت تشهده تفرض علينا التعايش مع هذا الوضع، ولكن دون أن نكون مستلبين تماماً.
إن من ينظر إلى أجهزة إعلامنا ـ المرئي منها والمسموع على وجه الخصوص ـ يدرك أن هناك نوعا من الفوضى والارتباك التي تسود هذه الأجهزة. ونحن نحمّل إدارات هذه الأجهزة أكثر من طاقتها إذا طالبناها بأن تضع استراتيجيات لها في ظل المنافسة الشديدة السائدة بينها.
وفي ظل مطالبتنا لها بأن تكون مؤسسات ربحية عليها الاستحواذ على أكبر حصة ممكنة من كعكة سوق الإعلان التي يتنافس الجميع على اقتسامها. لذلك نرى أن تشكيل لجنة وطنية من ذوي الاختصاص في كافة المجالات لصياغة استراتيجية عامة لهذه الأجهزة بات أمراً ملحاً وضرورياً، إذ إن رؤية القائمين على هذه الأجهزة مازالت ضبابية.
وأول شروط القيادة السليمة كما تقول نظريات القيادة الحديثة هو اتضاح الرؤية، وبعد أن تتضح الرؤية نستطيع أن نسأل: أين هويتنا الوطنية.. وكيف نحافظ عليها؟ ثم نحاسب بعد ذلك المسؤول عن تغييبها.
هويتنا الوطنية غائبة عن كثير من وجوه الحياة في وطننا، ولأن أجهزة إعلامنا هي المرآة التي نرى من خلالها وجه الوطن، فإن غياب هذه الهوية عنهاأيضا يعمّق جرحنا وجرح الوطن الذي نتطلع جميعا إلى رؤية وجهه المشرق الجميل والمحافظة على هويته التي هي أمانة في أعناقنا، وخيانتها خيانة للوطن كله، فهل نحافظ على هذه الهوية كي نكون جديرين بهذا الوطن؟
كاتب إماراتي