ينتاب المتابع للتطورات السياسية والأمنية في العراق حالياً قلق كبير، جراء تدهور أوضاع هذا البلد العربي بصفة عامة، وارتفاع نغمة الطائفية بشكل ملحوظ، على حساب التعايش الطبيعي بين أبناء الوطن الواحد ،والذي ظل على مدى عقود طويلة صمام الأمان الأول والأخير لوحدة العراق وتماسكه كدولة مستقرة.
والواقع إن هذا التوتر الطائفي الذي غذته عوامل كثيرة منذ أن وطأت القوات الأميركية أرض العراق، وصل إلى مرحلة خطيرة ومحتقنة للغاية، وأصبح من غير المقبول السكوت عنها او تجاهلها، لأنها تحمل في داخلها بذور الانفجار في أي وقت، بل إنها لم تعد تحتمل حتى مجرد «نغمة موبايل».
فيوم الأربعاء الماضي نقلت وكالة رويترز للأنباء، خبرا يقول إنه في ثاني اجتماع عادي لمجلس النواب العراقي-البرلمان- بعد خمسة شهور من الجمود لأسباب طائفية خاصة بتشكيل الحكومة، رفع البرلمان جلسته لفترة قصيرة بعد أن رفض رئيس المجلس محمود المشهداني السماح لعضوة في البرلمان هي غفران الساعدي تقديم شكوى خاصة بواقعة اعتداء حارس المشهداني على أحد مرافقيها بسبب رنة هاتفها المحمول التي كانت شعارا طائفيا.
وتضيف الوكالة :إن أعضاء آخرين انضموا إليها واشتكوا من ان رئيس البرلمان تصرف بصورة غير ملائمة حينما أغلق ميكروفون غفران الساعدي وأمر بإغلاق كاميرات التلفزيون.
وقالت الساعدي : «كان لدي مرافق أعزل من السلاح ورن هاتفي الموبايل الذي كان معه وجاء رجل آخر مسلح من أفراد حماية المشهداني وقال له: اخفض الموبايل .السيد الرئيس يجري لقاء تلفزيونياً». وأضافت إن المسلحين وهم فريق حماية المشهداني انهالوا بالضرب على مرافقي «عندما رن الموبايل مرة أخرى وانهال عليه عدد من الرجال مدججين بالسلاح... عددهم 30 او أكثر».
والواقع إن ما حدث ليس مجرد خلاف بسيط تسببت به نغمة هاتف، بل هي نغمة طائفية أصبح يتردد صداها في العراق أكثر من أي وقت مضى، والدلائل على ذلك كثيرة ومتنوعة، بل وتحمل لون الدم الذي يشكل خطرا على وحدة هذا البلد العربي واستقراره، فوزيرة شؤون المهجرين والمهاجرين العراقية سهيلة عبد جعفر قالت أخيراً لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي):
إن أحداث العنف الطائفي أجبرت 88 ألف شخص على النزوح من منازلهم خلال الأشهر الأخيرة. وأضافت :«كانت العائلات الشيعية هي المغادرة في البداية، ولكن أعدادا متزايدة من السنة بدأت هي الأخرى تخشى على حياتها.
وتؤكد مصادر عراقية أخرى أن أغلب حوادث التشريد وقعت في بغداد وحولها، مشيرة الى ان الموقف ازداد تدهورا منذ الانفجار الذي وقع في ضريح شيعي مهم في سامراء في فبراير الماضي، مما أثار ردود فعل انتقامية لقي فيها المئات حتفهم.
أما صحيفة « نيويورك تايمز» الأميركية فذكرت في 10 ابريل الماضي تقريراً داخلياً للحكومة الأميركية يصف الوضع في ست من محافظات العراق الـ 18 بأنه خطير أو حرج .
وشدد التقرير على انقسام العراق حسب خطوط عرقية أو دينية، محذراً من الصدامات الطائفية والعرقية حتى في المناطق التي يعتبرها المسؤولون الأميركيون هادئة. وأوضحت الصحيفة انها حصلت على هذا التقرير من مسؤول حكومي في واشنطن قال إن هذه الوثيقة السرية تقدم معلومات أكثر واقعية عن الوضع في العراق من التقارير الأخيرة لكبار ضباط الجيش .
وأعد الوثيقة من عشر صفحات دبلوماسيون وعسكريون أميركيون في بغداد وتحمل تاريخ 31 يناير 2006 أي قبل ثلاثة أسابيع من تفجير قبة مسجد سامراء. وتركز الوثيقة التي تحمل عنوان «تقرير حول استقرار المحافظات» على النفوذ المتزايد للأحزاب الشيعية الموالية لإيران والميليشيات الشيعية المتنافسة في الجنوب والاشتباكات بين العرب والأكراد في مدينتي الموصل وكركوك في الشمال.
إذن من هذه المعطيات جميعا، يمكن القول :إن الوضع خطر للغاية، ويتطلب من العراقيين أولاً ان يتيقظوا للمخاطر المحيطة بهم، وان يفشلوا كل المحالات الرامية الى دفعهم الى السقوط في حفرة الاقتتال الداخلي والحرب الأهلية، التي تفيد بالتأكيد مصالح أعداء العراق، الذين لا يريدون لهذا البلد ان ينهض من كبوته وان يسترد دوره المؤثر على الساحة العربية.
كذلك على الدول العربية عدم الوقوف في صفوف المتفرجين على ما يجري في العراق، بل عليها التدخل للتهدئة بواسطة مبادرات جدية، يمكن ان تساهم في امتصاص بركان الشحن الطائفي، الذي ان انفجر ـ لا قدر الله ـ فسوف تصيب حممه القريب والبعيد.
وسيثير مشاكل الجميع في غنى عنها، بل وستؤدي الى نسيان القضية الأهم التي ينبغي على الجميع التركيز عليها، وهي رحيل القوات الأميركية عن ارض العراق.
وإطلاق عملية واسعة لإعادة بناء وترميم الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أصابها الضرر الشديد منذ كارثة غزو الكويت في عام 1990، وما تلاها من أحداث أثرت كثيراً على بنية الدولة العراقية وأعادتها سنوات كثيرة إلى الوراء.