كتبت في مقالة سابقة بعنوان «من يدفع فاتورة فوز حماس؟» في 20/2/2006، عن أفراح الجماعات السياسية الإسلامية بفوز حماس في الانتخابات رغم أنها تمت في ظلال الحراب الإسرائيلية وقد غمرتهم بهجة الانتصار فلم يشكك أحد منهم في شرعية الانتخابات كما فعلوا في شرعية الانتخابات العراقية بسبب الوجود الأميركي.

وقلت إن حماس الآن على «مفترق طرق» فإما أن تتحمل مسؤولياتها كاملة تجاه الشعب الفلسطيني بأن تقرأ الأوضاع والمعطيات الموضوعية قراءة واقعية، تحترم الاتفاقيات الدولية التي التزمت بها السلطة الفلسطينية .

والتي على أساسها وصلت «حماس» للحكم، وكل هذا يتطلب من حماس، نبذ العنف أسلوباً في التعامل الدولي، ووقف التصريحات المباركة للعمليات الانتحارية ضد الإسرائيليين، حتى يمكن للمجتمع الدولي أن يقبل بها .

ويتعامل معها، وليس مطلوباً من حماس أن تلقي سلاحها ولا أن تتخلى عن المقاومة المشروعة، فهذا حقها من غير منازع وبموجبها نالت ثقة الناخب الفلسطيني، ولكن من حق الشعب الفلسطيني على حماس أن تغير أسلوبها في المقاومة وهي في الحكم عما كانت عليه .

وهي في المعارضة، حتى لا تزداد الأمور تأزماً وتتفاقم أوضاع الفلسطينيين سوءاً. وإما أن تختار حماس الاستمرار في نفس أسلوبها وهي في المعارضة فتتمسك بشعاراتها القديمة وتكرر «لاءاتها» المستهلكة، فتصدم برفض المجتمع الدولي وعدم التعامل معها .

ومن ثم تجر الفلسطينيين إلى مزيد من المأزق المالي الذي قد يصل إلى الاختناق والحصار والتجويع، وحينئذ لن يكون المجتمع الدولي وحده هو الملوم بل أيضاً حكومة حماس التي لم تحسن قراءة الوضع ولم تتصرف بحكمة وحسن تبصر بالعواقب.

ولا يفيد حماس لوم المجتمع الدولي وتكرار القول بضرورة احترام خيار الشعب الفلسطيني، إذا كانت حماس نفسها لا تحترم حتى الآن خيارات شعوب العالم بمن فيهم العرب بضرورة استمرار عمليات التفاوض والسلام.

ما هو حاصل حتى الآن وبعد تولي حماس للسلطة، أن قيادتها ازدادت تصلباً، وبلغ أن بعضهم هونوا من المساعدات المالية الدولية ـ (900 مليون دولار سنوياً تدفعها أوروبا والولايات المتحدة) وذلك اعتماداً على أن العرب وإيران سيدعمونهم مالياً، حتى قال قائلهم «نعم للجوع ولا للركوع» لن نقبل لقمة الذل ونعيش على الزعتر والزيتون.

حسناً، لماذا تشتكون إذن؟ ولماذا تهددون ثم تقبلون لقمة الذل من الأعداء؟؟ ومن قبلهم خطب رمز ديني متحمساً ومتحدياً الغرب وقال: «سنقاطعهم ونعيش على التمر واللبن» وليته صدق ولكن هيهات فهو شعار خادع، لتحميس الجماهير ولا يعالج وضعاً.

لقد قلت: إن هؤلاء الذين يشجعون حماس على التصلب وعدم قبول مبادرة السلام العربية، لن يتبرعوا من أموالهم ولكنهم سيملأون الأرض خطباً بضرورة نصرة (حماس) ـ المجاهدة.

وحصل ما توقعته تماماً، لقد فشلت حماس في إدارتها للشأن الفلسطيني: أمنياً وسياسياً واقتصادياً، ووقفت عاجزة عن توفير رواتب الموظفين ووصلت إلى شفير الانهيار، وبدلاً أن تعترف بخطئها اتهمت الآخرين بالتآمر عليها.

أي تآمر والمواقف واضحة ومعلنة مسبقاً؟ لقد تحول حوار عباس - هينة بسبب الأزمة المالية إلى حرب شوارع بين مسلحي فتح وحماس وسقط العشرات ثم تطورت إلى اشتباكات خلّفت قتلى وجرحى ولاح في الأفق شبح الحرب الأهلية..

وكانت قاصمة الظهر حين كشف الأردن خلية لحماس نقلت أسلحة ومتفجرات مستهدفة منشآت وشخصيات أردنية، وقدم الأردن أدلة صدقها عباس وأنكرها هنية، ورد الأردن باعترافات المتورطين عبر التلفزيون الأردني.

لكن الضربة الموجعة حصلت بانقطاع المدد المالي الدولي وتوقفت الرواتب والموارد وعاش الفلسطينيون أزمة خانقة وباتوا يحصلون على حاجاتهم الضرورية بالدين، وتوقفت السيارات عطشا للوقود.

وحصلت وفيات لنقص الدواء، وهكذا وفي عهد حماس، عادت القضية الفلسطينية الى نقطة الصفر ودارت دورتها كاملة منذ سنة 1948، دورة كلها فشل وإخفاق وحروب عبثية ومليارات أهدرت ونكبات وهزائم وكما يقول أحمد الجارالله في السابق رفضنا قرار التقسيم وقاطعنا العالم واليوم جاءت «حماس» فقاطعنا العالم .

وحاصرنا مالياً ووضع القضية في ختام دورتها المأساوية.. فهل في الوقت متسع لتعاود حماس قراءة مسيرة السلام وتقتنع بأنها لن تستطيع وحدها محاربة العالم كله؟

حماس تريد تبرئة ساحتها وتغطية فشلها بتوجيه اللوم إلى إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا!! ولكن أليس كل ذلك كان متوقعاً ومعلناً منذ البداية فلماذا لوم الآخرين وتبرئة الذات؟

وبدلاً ان تستفيد حماس من دروس الفشل وتستمع الى صوت العقل والحكمة وتعترف بمبادرة السلام العربية التي دعتها الجامعة والدول العربية لقبولها، هددت حماس بتفجير انتفاضة اقليمية رداً على على الحصار الدولي، ودعا هنية الى مظاهرات عربية حاشدة وحملة لجمع التبرعات.

ونشط نصراء حماس في البلاد العربية مطالبين حكوماتهم وشعوبهم بنجدة حماس ودعمها مالياً وسياسياً، فقام مرشد الإخوان في مصر بمناشدة العرب والمسلمين والمسيحيين الحقيقيين بالتبرع، وطالب السلفيون في البحرين والكويت بمثل ذلك.

وفي الدوحة احتشد جمع من العلماء لنصرة فلسطين وهدد بعضهم بمقاطعة البنوك الممتنعة عن تحويل الرواتب واتهم «هنية» أميركا بعرقلة المساعدات وكان القيادي الحماسي حسن الصيفي قد هدد من قبل ـ بتفجير انتفاضة أهلية شاملة تقلب الطاولة على رؤوس الجميع في حال استمرار الحصار.

لماذا كل هذه التهديدات؟ ولماذا هذه التصريحات والخطب العنترية؟

أليس من حق المانحين ان يطمئنوا إلى سلامة وأهلية «آلية» المساعدة والمنحة؟ ها هي اللجنة الرباعية تقرر مؤخراً إرسال المساعدات الى الشعب الفلسطيني عبر «آلية دولية» مؤقتة لفترة 3 أشهر وعن طريق مكتب الرئيس محمود عباس مبررة ذلك «حتى لا تنهار السلطة الفلسطينية» وحتى إسرائيل قررت استئناف بعض المساعدات الى السلطة بعد ان أوشكت الضفة الغربية على السقوط في كارثة اقتصادية.

ولكن السؤال المهم هنا: من الذي أوصل الحالة الفلسطينية إلى هذا الوضع؟

أليس سياسة حماس المتصلبة والتي تريد كل شيء ولا تريد ان تلتزم بشيء؟ وأليست مواقف بعض جماعات الإسلام السياسي التي تشجع حماس على عدم قبول مبادرة السلام العربية؟ أليس الأولى بهؤلاء تقديم النصيحة المخلصة لمصلحة الشعب الفلسطيني الصابر؟ وإلى متى يستمر الفلسطينيون ضحايا الشعارات والى متى يستمر الشعب الفلسطيني أسيراً للمعونات والمساعدات والمنح؟

أين أثرياء فلسطين ولماذا لا يعملون على تنمية اقتصاديات الشعب الفلسطيني لتغنيهم عن الحاجة؟ هل تريد «حماس» بالخطب الحماسية والفتاوى النارية وتحدي المجتمع الدولي والمقاطعة ان تنتصر وتحل القضية؟

كاتب قطري