نقرأ يومياً، تصريحات كويتية إيجابية عن أوضاع التجنيس وسياسة الانتقاء والالتزام بالقواعد التي تنظم هذه العملية، ونقرأ، عن البدون الذين يستحقون التجنيس ونقرأ عن الذين لا يستحقون، وسيعطون إقامة دائمة.

ونقرأ أيضاً مقابلات وبيانات عن الكويتيات المنسيات، والكويتيات المتزوجات غير الكويتيين، وعن حقوقهن ومصير أولادهن، ونقرأ بصورة دائمة عن الهموم والظلم والبؤس وهي عناصر الشقاء التي صارت من نصيب المستحقين والمنسيين، ونقرأ وبشكل متواصل عن الحزم والعزم على الانتهاء من هذا الملف الشائك والمشوك.

وفلسفة التجنيس في دول العالم تختلف وفق تاريخ وتراث كل بلد وكل إقليم، نجد في الولايات المتحدة تلك الفلسفة المرحبة بالتجنيس والمستمدة من تراث الولايات المتحدة ومن مبادئها ومن بنيتها وتكوينها، فهي بلد المهاجرين.

والذين زحفوا إليها في موجات بشرية متواصلة منذ إنشائها عام 1492 تقريباً، وعندما انفجرت ثورة الاستقلال عام 1776 لم يكن عدد السكان يتجاوز العشرين مليون نسمة ضائعين في الشمال والغرب، لأن الجنوب الأميركي انضم إلى الفيدرالية بعد خمسين عاماً من الاستقلال تقريباً.

أرض الأحلام والثروة والهجرة، وصار العدد الآن ثلاثمئة وأربعين مليون طن، بثقافات مختلفة ولهجات متباينة وألوان وأديان، لكن عظمة أميركا هي الامتصاص، كلهم مواطنون وبشعور كبير من الاعتزاز وبعزم على التضحية.

منذ أيام كنت في مجمع الكوت في جنوب الكويت أتحدث مع بعض رجال الجيش الأميركي الذين يسمح لهم بالتجول خلال الاجازات، وجدتهم من أصول فلبينية ومكسيكية وأوروبية وسيدات منهم من افريقيا، كلهم جاؤوا إلى الجيش الأميركي ضمن المسؤولية التي يقوم بها الجيش في العراق والكويت.

في أوروبا يتم التجنيس وفق الحاجة لأن فلسفة أوروبا تختلف فهي ليست قارة المهاجرين، وإنما تتشكل من الدولة القومية المعتزة بتراثها، غير أن هناك حاجة بسبب الهبوط النسبي للسكان، وتعويض ذلك بالمهاجرين.

ونراها في إعلانات رسمية في أسبانيا تطلب فيها مهاجرين من أميركا اللاتينية، وفي ألمانيا تطلب فنيين وربما ينطبق ذلك على معظم دول أوروبا، أما الصين فهناك فلسفة الهجرة وتشجيعها وكذلك في الهند، وفي آسيا وأفريقيا حيث الاقتصاد الرديء والحاجة تدفع نحو البحث عن الحياة.

ونسمع الآن صيحة الرئيس بوتين في خطابه السنوي إلى الأمة الروسية قائلاً بأن تراجع السكان في روسيا أكبر مشكلة مشيراً الى تراجع سنوي بمعدل 700 ألف نسمة ـ يبلغ العدد الحالي 143 مليوناً.

ماذا عن الكويت ؟

أولاً: عاشت الكويت تقاوم الأطماع ثلاثة قرون وعاش أهلها فيها لم يهاجروا إلى البصرة الغنية ولم يتجهوا نحو البحرين أو الإحساء الأفضل من حيث الإمكانات.

وقاوموا المؤامرات عليهم بفضل المتانة والقوة الداخلية وبفضل التجانس الداخلي في التركيبة السكانية، ولأن الكويت فقيرة لم تتعرض إلى موجات الهجرة البشرية، واتخذ أهل الكويت من البحر المأوى والملجأ لتجاوز الفقر والعدم.

وغرسوا في تراب بلدهم جذور الانتماء، وعرفوا بأن الاختراق البشري والسكاني هو عدوهم الأول في ضياع هويتهم الكويتية الصلبة التي صاغوها من عذاب البحر، وتحملوا مسؤولية الدفاع عن بلدهم بشعور الغيرة والحماس.

ومع تبدلات الحياة بسبب النفط وبروز الكويت كدولة جاذبة وكمأمن مريح وعيشة ناعمة، واتساع بناء الدولة الحديثة ومتطلباتها شهدت الكويت موجات من الهجرة، وتعامل الكويتيون معها بوعي الفاهم للمسؤولية لكنهم شيدوا ستاراً مانعاً لكي لا تتسلل الهجرة إلى مواقع حياتهم.

أتذكر في الأمم المتحدة حاول بعض الموتورين الاستفادة من قنوات الاتصال العالمية، فأرسلوا برقيات حول أحياء الجيتو في حولي، وأتذكر أنني ضحكت على هذه البرقيات التي أرسلتها جماعة فلسطينية متشددة في السبعينات إلى لجنة حقوق الإنسان، المهم أن تعامل الكويت في الهجرة ظل حنوناً ورقيقاً ومتسامحاً، الأمر الذي شكل ثغرة استفاد منها الكثيرون الذين أخفوا هويتهم وادعوا بأنهم من أصول كويتية منسية ومظلومة.

وتعاظم هذا الحال إلى أن وصلنا إلى ظاهرة البدون، وترافق ذلك مع ما يسمى ظاهرة الخدمات الجليلة، وفي كل بلد توجد قواعد للتجنيس وفق القانون وليس وفق وصفة الخدمات الجليلة التي لابد من تحديد هويتها وضوابطها لكي لا يعم المزاج والمحاباة والاستلطاف ـ وتكون العناصر المؤثرة في الاختيار.

وتبقى ظاهرة الخدمات الجليلة سهلة التعامل معها لأن المشمولين معروفة بلدانهم وأصولهم وتراثهم، وهم غير البدون ولا يشكلون مخاوف أمنية.

قوة الكويت في التلاحم السكاني والمخاطر المهددة هي من خارجها وليست من الداخل لكن الذين أخفقوا في أطماعهم عبر القرون الماضية يمكن أن يتسللوا مجدداً، عن طريق التأثير على المتانة السكانية الموحدة، ألم نسمع من قادة صدام حسين بأن الكويت ستسقط من الداخل مع مرور الزمن، بسبب استقراء وحسابات يرونها عن خريطة السكان القادمة!.

أنا مع حق الذين لهم حقوق، ومع الذين حاربوا أو ضحوا، لكنني من المطالبين بقراءة التاريخ بشكل متأن وبحرص على التراث الكويتي السميك الذي أفشل كل المخططات لتخريب الكويت.

ويحظى موضوع التجنيس باهتمام شعبي واسع، أسمع عبارات القلق في الدواوين وأسمع إلى مبررات هذا القلق بتفهّم، وأروي قصة شهدتها عندما كنت سفيراً في نيويورك، حيث دعاني سفير الهند إلى عشاء في منزل المهراجا الهندي حاكم ولاية سكيم المحاذية لمملكة نيبال، ذهبت إلى العشاء مع المهراجا المتزوج من أميركية أنيقة في شقة جميلة في نيويورك.

وشكرنا المهراجا على الاهتمام، على العشاء الراقي، كان المهراجا رجلاً ثرياً أرستقراطياً بمقام خاص، هذا المهراجا الطيب رحّب بكل المقيمين غير الشرعيين القادمين من مملكة نيبال إلى بلاده سكيم، وفي عام 1980 .

وحسب الاتفاق مع حكومة الهند كان لا بد من إجراء استفتاء على مصير ولاية سكيم، هل تبقي مهراجا أم تنضم كولاية هندية خالصة، وتم الاستفتاء وصوّت المهاجرون الذين أتى بهم المهراجا من نيبال لصالح حكومة الهند، مطالبين بنهاية نظام المهراجا.

وانتهى بذلك حكم مهراجا سكيم بسبب إنسانيته في إعطاء المواطنة للذين لم يتشربوا من التراب، فرحت حكومة الهند، وانتهت صيغة المهراجا وبقيت السيدة الأميركية في نيويورك، وأتذكر ذلك المهراجا المرتاح الذي لم يقرأ التاريخ جيداً، وتستوقفني قصة هذا المهراجا المسكين دائماً.

ثانياً: يتيح نهج الحياة الذي تعيشه الكويت منذ بداية عمرها لتحقيق المساواة بين أطياف المجتمع جديدهم وقديمهم، فلا تفرقة في الممارسة ولا النصوص، فبعد أن اتسعت قاعدة المجتمع الذي صار مليوناً من المواطنين، لا بد أن تتعايش الأجهزة الرسمية مع هذا الواقع بإعداد كوادر مدربة ومؤهلة للقيام بأعباء المليون مواطن الذين تختلف مسؤولياتهم عن عدد المواطنين السابق المحدود.

والذي تعايشت معه الأجهزة، فالمطلوب الآن مع العدد الواسع والذي سيتسع هو الالتزام بالنظام وتطبيق القانون دون تردد وفرض الهيبة، واحترام الضوابط وتجاوز الاسترخاء الذي اعتاد عليه الناس .

وتعايشت معه الأجهزة، فرض سطوة الدولة الآن مع تكاثر الأعداد وتباين مشاربهم واختلاف منابعهم يكون الاحتكام فيه إلى القانون واعتماده المرجعية الوطنية الوحيدة، كما في البلدان الأخرى التي تستقبل أعدادا من المتجنّسين، فالسطوة وحدها لقانون البلد والتعامل وفق هذا القانون وليس البحث عن حلول قبلية وتقاليد عشائرية وسلوكيات النجدة التي نعرفها في المجتمع البسيط.

ومع ديناميكية التجنيس التي نشهدها في الكويت لا بد من تقبل بعض المظاهر التي لم نكن نعرفها، فالذين سيدخلون في أعداد الكويتيين لهم عاداتهم ولهم نمطهم في الحياة ولهم أيضاً أسلوبهم في معالجة شؤون الحياة، نرى ذلك في الحالات التي تم فيها التجنيس عبر الخدمات الجليلة، فما زالت عادات هؤلاء غير التي نعرفها في الزواج .

وفي السلوك الاجتماعي وفي الاختلاط اليومي المنزلي، هذه حالة عالمية إنسانية، نجدها في مدينة واحدة مثل مدينة نيويورك، يتواجد العرب الشاميون في بروكلين، والأفارقة في هارلم، والشرقيون الأوروبيون في برونكس.

وكل منهم عالم آخر بسياجات بنتها الاختلافات في العادات والتقاليد، لكن الأهم أنهم مواطنون أميركيون حسب القانون، لهم امتيازات وعليهم واجبات، نحن نريد أن نصل إلى هذا الفصل الثقافي العالمي، ويمكن لنا تحقيق ذلك بالتثقيف والشفافية، وسنرى كيف مع الأيام، نبتعد عن الألغام المدفونة في طريق التجنيس.

كاتب كويتي

Abdullah_bishara@yahoo.com