قلنا في مقال الأمس إننا بحاجة ماسة لإعادة النظر في سياسة برامجنا التلفزيونية فيما يخص مناقشة قضايانا الوطنية. وقلنا إن إعلامنا المرئي مازال مقصراً في حق الشؤون المحلية.
ولا ننكر بذلك جهود العاملين في هذا الإعلام والتي اثبتوا في بعضها اهتمامهم بالشأن المحلي، لكننا نقول انه مازال هناك كثير من القضايا التي تتطلب منهم الاهتمام بها والتركيز عليها إلى جانب قضايا المجتمع العربي والعالمي.
بعض المسؤولين يشكون من قلة المواطنين الإعلاميين المؤهلين لإعداد وتقديم مثل تلك البرامج، وبعضهم يرى أن المجتمع الإماراتي خال من قضايا جادة تحتاج إلى هذه الكثافة البرامجية التي نطالب بها، وبعضهم يدعي عدم وجود مختصين من أبناء البلد يمكنهم مناقشة تلك القضايا بحرفية.
وكل ما سبق من أمور يمكن الرد عليها ببساطة. فقلّة المواطنين الإعلاميين المؤهلين أمر غير صحيح، والدليل على ذلك وجود إعلاميين بارزين في قنواتنا المحلية التلفزيونية ومحطاتنا الإذاعية وصحفنا المحلية.
هؤلاء الإعلاميون اثبتوا كفاءتهم في مختلف الأعمال التي يقدمونها واستطاعوا من خلالها ملامسة مشاكل الرأي العام المحلي وهمومه، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو رياضية أو اجتماعية.
والأسباب التي أوجدتهم قادرة على أن توجد الكثيرين منهم لاسيما وجامعاتنا تخرج كفاءات لا يُستهان بها، تقلدت مناصب قيادية في الدولة في مختلف المجالات، ولديها مشاركات إعلامية داخل وخارج الدولة.
أما مسألة عدم وجود قضايا ملحة في مجتمعنا، فهو أمر لا يصدر إلا ممن يعيش في عزلة، فهو بالتأكيد لا يستمع إلى برامج البث المباشر في محطاتنا الإذاعية، وفي عزلة عن الصحف المحلية التي لا يمر يوم دون أن تفتح ملف قضية جديدة في كل مجال. فالقضايا كثيرة ومتشعبة وهي بحاجة لمن يكترث لها ويفكر في كيفية طرحها من خلال برامج يُخطط لها بشكل جيد.
أما الادعاء بعدم وجود مختصين يمكنهم طرح قضايانا الوطنية بحرفية فهو أمر مردود عليه أيضا بدليل مشاركة الكثير من مواطنينا من أساتذة الجامعات وأهل الاختصاص في برامج حوارية في قنوات فضائية لدول مجاورة، فلو كان هؤلاء لا يعتد برأيهم لما استضافتهم أفضل القنوات الفضائية.
هؤلاء الذين يستعين بهم الغير أصبحوا في منأى عن شاشات قنواتنا الفضائية، مقابل آخرين أصبحنا للأسف الشديد مضطرين لأن نتلقى أحكاما وقرارات مصيرية منهم رغم أنهم أثبتوا أنهم لا يفقهون شيئا في المجال الذي يظهرون فيه. والشاهد على ذلك مثلا ما يحدث في أسواق الأسهم.
نجد أن الكثير ممن اسموا أنفسهم خبراء ومحللين وتستضيفهم قنواتنا، تبحث عن مصادر تحليلهم وخبرتهم التي اعتمدوا عليها فلا تجد أساسا قويا تنطلق منه. وقد تجد مستثمرا صغيرا يعتبر نفسه مستثمرا ناجحا وموجها لغيره.
قد يعترض قائلا بأن الخبرة والممارسة قد تغني أحيانا عن الدراسة والتحصيل، لكن ذلك غير صحيح. نأمل أن تحمل المرحلة المقبلة باقة من البرامج المحلية المنوعة التي تطرح قضايانا الوطنية وتتيح لنا تبادل الرأي مع أهل الاختصاص.
فتنازل الإعلام التلفزيوني المحلي وأهل الاختصاص عن حقهم في قيادة الرأي العام وإدارة شؤونه على أسس لا تتنافى وأهداف الدولة ومطالب المجتمع المحلي سيضيع علينا الكثير من المكاسب. ولنحتمل بعد ذلك كل النتائج السلبية التي نشهدها حاليا والتي نتوقع المزيد منها مستقبلاً.