قضي الأمر.. قد تنجح محاولات التهدئة في تطويق الاشتباك بين «فتح» و«حماس» بشكل أو آخر، ولكن ما كان الكل يخشى منه وقع بالفعل، ولم يعد الدم الفلسطيني هو الخط الأحمر الذي لا يمكن للبندقية الفلسطينية أن تتجاوزه.

ولم يعد شبح الحرب الأهلية هو المستحيل الذي لا يمكن التفكير فيه كما كان الحال في أصعب الظروف التي مر بها نضال شعبنا الفلسطيني. الآن كل الاحتمالات واردة، بما فيها أن تصفي المقاومة نفسها بنفسها بعد أن تحولت البنادق الفلسطينية من مواجهة العدو إلى مواجهة الذات !

صحيح أن الخلافات بين الفصائل الفلسطينية لم تتوقف منذ اندلاع المقاومة الفلسطينية، ومع تعدد الفصائل لأسباب أيديولوجية أو لصراعات عربية عكست نفسها على المسار الفلسطيني.

أو لظروف الاستقطاب الدولي في مرحلة كان الصراع على مصير المنطقة مرتبطاً بهذا الاستقطاب. ولكن الصحيح أيضاً أن الثورة الفلسطينية، رغم ما واجهته من تحديات وكوارث كانت قادرة على احتواء الصراعات بين فصائلها.

كانت هناك ـ في مراحل عديدة ـ انشقاقات وخلافات بل واشتباكات بين الفصائل، ولكن كانت هناك في النهاية قدرة على ضبط الأمور من خلال قيادة عرفات وفاعلية منظمة التحرير، ومن خلال رأي عام عربي لم يكن يسمح بتجاوز الخطوط الحمراء في العلاقات الفلسطينية ـ الفلسطينية.

ومن خلال فرض صيغة تسمح بالتعددية في النضال الفلسطيني ولكن تعطى شرعية التمثيل لمنظمة التحرير وقيادتها التي كانت قادرة على الامساك بالأوراق الفلسطينية في يدها، وكانت تملك قدرة كبيرة على المناورة السياسية مكنتها من السيطرة على الأمور حتى اللحظات الأخيرة.

الآن تغير كل ذلك مع الحصار المر في الخمس عشرة سنة من مسيرة «أوسلو» ومع التغيرات الدراماتيكية في المشهد العالمي (بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ثم بعد أحداث 11 سبتمبر) وفي المشهد الإقليمي (بعد غزو العراق وبعد التماهي في السياسة الأميركية والإسرائيلية) وفى المشهد العربي (بعد أن وصل العجز في النظام العربي إلى مداه).

منذ أن باعوا للفلسطينيين والعرب وهم «أوسلو» باعتباره الحل الذي سيعيد الحقوق المسلوبة ويقيم الشرعية الغائبة، وينهي الصراع الطويل ويحقق المصالحة التاريخية، والأمور تسير من سيئ إلى أسوأ وإدارة الصراع من جانبنا تتم بأسوأ أسلوب ممكن، والأخطاء تتوالى لتنتهي بالجميع إلى هذا الوضع البائس الذي نشهده الآن.

منظمة التحرير تم الإجهاز عليها وتحويلها إلى أطلال لا أحد يبكي عليها، وتم تحويل اختصاصاتها إلى السلطة الوطنية في الداخل في خطأ إستراتيجي لم يكن له ما يبرره إلا الوهم الذي سيطر على القيادة بان «الحل التاريخي» أصبح بين أصابعها.

وأن وجودها في الداخل سيحسم الأمور لصالحها سواء في صراع الفصائل على أرض فلسطين، أو في بناء نواة الدولة الموعودة والسيطرة عليها بنفس الطريقة التي تمت السيطرة على منظمة التحرير من قبل، أو في الإمساك بزمام الأمور فيما يتم تحريره من أرض فلسطين وفى تفاصيل التفاوض مع «الشريك الإسرائيلي» من أجل إقامة «سلام الشجعان» إياه!!

كان تهميش المنظمة إلى صدور التصفية خطأ لا يغتفر، وكنا ضمن من رأوا من البداية أن المنظمة ينبغي أن تبقى في موقعها قائدة للنضال الفلسطيني وأن تدير هي الصراع وتتولى التفاوض، وأن تكون السلطة الوطنية في الداخل مجرد رافد من روافدها يخضع لسلطتها الكاملة ويتولى الأمور المحلية إلى أن تقوم الدولة الفلسطينية.

وليس هذا مجال استعادة فصول القصة كلها، ولكننا فقط نحاول إعادة المشهد الحالي لأصوله، فشبح الحرب الأهلية لم يأت من فراغ، وقد رفض عرفات الانجرار إليه من خلال دفعه لما كانت أميركا وإسرائيل تسميانه بـ «التصدي للإرهاب الفلسطيني».

واستمرت القيادة الفلسطينية بعد ذلك في موقفها رغم إعلان أبو مازن أنه كان من البداية مع عدم «عسكرة» الانتفاضة، وأنه مع إيقاف المقاومة، وإعطاء فرصة للتفاوض مع إسرائيل وأميركا من خلال خارطة الطريق.

وهو ما حصل عليه بالفعل من خلال اتفاق الهدنة التي التزمت بها الفصائل ولم تحقق شيئاً على طريق التفاوض، ولم تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية، حتى انقلب المشهد الفلسطيني بكامله بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية وما أعقبه من حصار وحرب تجويع أرادتها إسرائيل وفرضتها أميركا وقادت إليها دول أوروبا.

الحصار والتجويع يفرضان على الشعب الفلسطيني، بينما الحكومة الإسرائيلية الجديدة تمضي في طريقها - بمباركة الإدارة الأميركية - لفرض الحل النهائي من جانب واحد ورسم الحدود التي تراها للدولة العبرية، وهو حل يعني الاستيلاء على نصف الضفة الغربية واستكمال تهويد القدس، وإنهاء أي حديث عن حق العودة وباقي حقوق الشعب الفلسطيني المسلوبة.

وسط هذه الظروف بالغة الدقة يأتي اندلاع الاشتباكات المسلحة بين «حماس» و«فتح» لتجسد المأساة التي يعيشها الفلسطينيون والعرب، ولتفتح الباب واسعا أمام شبح الحرب الأهليةالتي تمتد من بقعة عربية لأخرى، ومن العراق للسودان، مرورا بفلسطين وربما بلبنان اليوم، وغيرها من الأقطار العربية غدا وبعد غد.

هذا هو جوهر الصراع الذي يدور في الداخل بين «فتح» و«حماس» والذي تزداد خطورته لأنه يأتي في الوقت الصعب، فإسرائيل تمضي في مخططاتها لفرض الأمر الواقع وهي تدرك أنها أمام فرصة لن تتكرر..

فالدعم (الأميركي) لها كامل، والعجز العربي في أقصى درجاته، والواقع الفلسطيني في ظل صعود «حماس» يعطي الفرصة لـ «التسويق» الصهيوني لحرب أميركية ـ إسرائيلية ضد «الإرهاب» الفلسطيني خاصة والعربي عموماً.

ولا أظن أن إسرائيل ـ ومن ورائها أميركا ـ تريد في هذه المرحلة إسقاط حماس ولا عزل أبو مازن، وإنما المطلوب أن يبقى الصراع وأن يتحول إلى حرب أهلية تعطي الفرصة لاستكمال تنفيذ الحكومة الإسرائيلية لبرنامجها وفرض الحل الذي تريده على الضفة والقدس. ومن أجل هذا يستمر الحصار وحرب التجويع.

ولكن ليس إلى الحد الذي تنهار فيه السلطة ويتحول الأمر إلى مأساة إنسانية تستدعي التدخل الدولي الذي لا تريده إسرائيل ولا أميركا، وليس إلى الحد الذي تعود فيه الأوضاع في غزة والضفة لتكون أوضاع «أرض محتلة» تطبق عليها القوانين الدولية، وشعب تحت الاحتلال تحميه الشرعية الدولية.

المطلوب سلطة تحت الحصار، وشعب ينخرط في حرب أهلية وتسلط عليه الاتهامات بـ «الإرهاب» بينما إسرائيل تمضي في تنفيذ مخططاتها، وأميركا ـ بعد أن تحكم الحصار على الفلسطينيين ـ تقود الجهود «الخيرية» من أجل إنقاذهم من المجاعة التي فرضتها عليهم، بعد أن تضمن أن القضية التي جعلتها الثورة قبل نصف قرن قضية شعب يريد الحرية، قد عادت مرة أخرى إلى قضية لاجئين يبحثون عن لقمة خبز وخيمة إيواء!!

ويبقى السؤال: هل قضي الأمر؟ أم أن في روح المقاومة بقية تنقذ النضال الفلسطيني مما يدبر له، وتمنع تحويل القضية المركزية للأمة العربية من قضية شعب يبحث عن حقه في الاستقلال والحرية إلى قضية «معونات خيرية» لشعب من اللاجئين حتى ولو ظلوا يعيشون على ما تبقى من وطنهم؟

نقيب الصحافيين المصريين