لهجة الانتقاد التي وجهها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الولايات المتحدة، واعتبرها البعض مبطنة ورأى فيها البعض الاخر عودة إلى لغة الحرب الباردة، عكست جملة من الاختلافات في الرؤى والمواقف بين الدب الروسي والذئب الاميركي خاصة على صعيد قضايا الوضع الدولي.
بوتين الذي كان يتحدث في خطاب إلى الأمة تأجل إلقاؤه، اعتبر ان سباق التسلح لا يزال قائما، وهو ما يستدعي تدعيم القوة العسكرية الروسية وزيادة الإنفاق عليها بعد ان أصبحت ميزانيتها اقل من نظيرتها الاميركية 25 مرة، وهو ما يستدعي تحركاً روسياً لتحصين البيت، وتقليل حجم الضغوط التي جعلت من الذئب الاميركي (يأكل من دون الاستماع إلى أحد).
انتقادات الرئيس الروسي للرفيق الاميركي، جاءت بعد أيام قليلة من انتقادات وجهها نائب الرئيس الاميركي ديك تشيني إلى موسكو خلال زيارة لعدد من دول أوروبا الشرقية.
والتي رأى فيها المتابعون للعلاقة بين البلدين، تدخلا فظا من جانب واشنطن في الشأن الداخلي الروسي، خاصة وأنها طالبت موسكو الالتزام بالديمقراطية وحقوق الإنسان.
هذا السجال الروسي الاميركي، الذي تراوح بين اللغة الخشنة، والكلمات الناعمة، تعبير عن حالة من عدم الرضا من كلا الطرفين عن مواقف الجانب الآخر، وخاصة روسيا التي ترى كيف تتصرف واشنطن على الساحة الدولية باعتبارها اللاعب الأقوى الذي لا يتوانى عن إغضاب الآخرين، لصالح تحقيق مصالحه، وتأكيد هيمنته، وبسط نفوذه، على العالم.
فمن العراق إلى إيران مرورا بدول الكومنولث المستقلة، تتعارض المواقف، وتتضارب المصالح الأميركية والروسية.فقد عارضت روسيا احتلال العراق، وظلت حتى اللحظة الأخيرة قبل الغزو، تسعى الى تجنيب العراق الضربة العسكرية، وهو ما تكرره اليوم بشأن الملف النووي الإيراني وان كانت هذه المرة بلهجة أكثر تشددا وأقوى حزما.
ورأينا كيف أعلن بوتين في خطابه، معارضته العمل العسكري ضد طهران، واستمرار موسكو في رفض المشروع الاميركي البريطاني الفرنسي، داخل مجلس الأمن الذي تحاول واشنطن الحصول عليه، لمعاقبة إيران استنادا إلى الفصل السابع الذي يجيز استخدام القوة.
وفي ملف دول الاتحاد السوفييتي السابق،التي تشكل خاصرة لروسيا الاتحادية، لابد ان تشعر موسكو بالمرارة وهي تشاهد واشنطن تدعم ما يسمى بالثورات الملونة، التي تتيح لتلك الدول الانسلاخ عن الدوران في الفلك الروسي.
والارتماء في أحضان الغرب، حد المطالبة بالانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) الخصم التقليدي لحلف وارسو المنهار الذي كان يوما ما مخلب روسيا في وجه، النفوذ الاميركي.
ليس هذا فحسب، بل ان موسكو ترى في الموقف الاميركي فيما يجري في الشيشان نوعا من الكيل بمكيالين، لان واشنطن التي تبيح لنفسها التدخل في أي بقعة من العالم خدمة لمصالحها بذريعة الحرب على الإرهاب، تعيب على روسيا الدفاع عن مصالحها في الشيشان التي لا تزال جزءا من الأراضي الروسية حتى الآن.
المواقف المتناقضة والمتعارضة بين واشنطن وموسكو، مؤكد أنها كانت وراء اللهجة المتشددة التي عكسها خطاب بوتين الأخير، وجعل مستمعيه يقاطعونه47 مرة بالتصفيق استحسانا، ويرفع من شعبيته في الشارع الروسي على نحو غير مسبوق.
لكن هل يشكل خطاب بوتين عودة إلى لغة الحرب الباردة؟ وهل نحن إزاء مرحلة جديدة في العلاقة بين واشنطن وموسكو، على غرار ما كان موجودا قبل انهيار الاتحاد السوفييتي وانفراط عقده في أوائل التسعينات؟
الاجابة ربما تكون بعيدة عن كلمة نعم، في ضوء القوة الروسية المنخفضة 25 ضعفا عن مثيلتها الاميركية وباعتراف بوتين نفسه، كما ان الاصطفاف الغربي خلف واشنطن، وان ظهر بعض التململ في هذه العاصمة أو تلك لا يزال بعيدا عن تمكين موسكو من الإمساك بأوراق تعطيها فرصة التحدي وإلقاء القفاز في وجه «الرفيق» الأميركي.
نحن إذن أمام حالة من عدم الرضا، والغضب الروسي من واشنطن، بدرجة لا يمكن للاميركيين تجاهلها، إذا لم تكن المواقف الاميركية تستهدف اختبار إلى أي مدى يمكن ان تتحمل موسكو الضغوط، وتذكيرها بأنها لم تعد اللاعب السابق الذي يخشى جانبه.