لا يمر يوم دون أن يزداد الإجماع الدولي توسعاً، الإجماع الذي من أبرز أركانه الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان ودول الترويكا الأوروبية التي تولت المفاوضات مع طهران وبالأخص مستشارة ألمانيا انجيلا ميركل التي دعت من واشنطن إلى الدبلوماسية الصبورة، الإجماع الذي يلح على واشنطن بالتفاوض المباشر مع طهران.
إجماع يحظى في الوقت ذاته بمواكبة واسعة ومتزايدة من الدعوات الأميركية الصادرة عن مسؤولين سابقين في الإدارات الجمهورية والديمقراطية وغيرهم من شخصيات ورموز في المؤسسة الاستراتيجية والسياسية الأميركية.
لا يعني ذلك بالطبع الإعجاب بالرئيس الإيراني أو إعطاءه شيكاً على بياض، بل يعني أن المفاوضات المباشرة هي الطريق الأقصر والأضمن والوحيد للخروج من المأزق الراهن الذي قد يهدد بحرب أو في إحداث درجة عالية جداً من انتشار التوتر الإقليمي في الشرق الأوسط، وفي جميع الملفات المترابطة والمتداخلة في المنطقة.
فالدبلوماسية التقليدية الإيحائية أو بالواسطة، بواسطة الترويكا الأوروبية ومعها لعبة التنقل بين منتدى مجلس الأمن ومنتدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية مثل رقّاص الساعة لم تعد تؤدي إلى نتيجة. طهران تحدثت مع الترويكا الأوروبية وكانت عينها على التفاوض مع واشنطن. دور الترويكا قام على محاولة إبقاء الجسور مفتوحة.
لكنها لا تملك أوراقا للطمأنة أو لتغيير الموقف الإيراني وتتحرك من منطلق «الحوار النقدي» الذي كان يصلح لما قبل الأزمة النووية في حين أن الصين الشعبية وروسيا مع سياسة الممانعة ضد واشنطن ولكنها أيضاً ضد سياسة الانتشار النووي وزيادة التوتر في الشرق الأوسط.
التهديدات بالعقوبات الاقتصادية الانتقائية وغيرها ضد إيران أو العقوبات التدريجية لا تنفع مع إيران لإمكانات هذه الأخيرة الكبيرة وأوراقها العديدة التي يمكن توظيفها لكسر العقوبات، وللنتائج العكسية التي تأتي بها العقوبات عادة من حيث موقف رد الفعل «الوطني».
والحل العسكري يبقى مستبعداً لاستبعاد إمكانية نجاحه في تغيير الموقف الإيراني وتحديداً في نزع الخيار النووي عند إيران بشكل مضمون هذا إلى جانب روادعه المتعددة المعروفة والتي من أهمها مخاطر التفجير الكلي في الشرق الأوسط.
في ظل ذلك كله يذكر رافسنجاني، البديل الدراماتيكي في إيران، أن لواشنطن وطهران تجربة في التعاون الثنائي المباشر في أفغانستان.
ومن ثم في بداية الأزمة العراقية، ويوجه أحمدي نجاد رسالة إلى واشنطن هي الأولى منذ 26 عاماً أهميتها لا تكمن بالطبع في المضمون العقائدي التبشيري، بل في الدعوة إلى «إيجاد وسائل أخرى» لتسوية الأزمة. أهمية الرسالة تكمن أيضاً في رمزية محاولة الاتصال المباشر، وما تمثله على صعيد كسر الحاجز النفسي.
في الحديث عن الاتصال المباشر الذي بدأ بدبلوماسية رياضية، دبلوماسية كرة الطاولة، نتذكر النموذج الأميركي الصيني في مطلع السبعينات. ونتذكر أيضاً دبلوماسية الاتصال المباشر الأميركي الكوري الشمالي الذي بدأ عام 2003 ضمن مجموعة الاتصال.
البعض يقول إن طبيعة الصراع الدائر حالياً من حيث ضراوته وحدته على المستويين العقائدي والسياسي ودخول العنصر الإسرائيلي بقوة في المعادلة يجعل الحالة الإيرانية الأميركية أكثر تعقيداً من الحالتين السابقتين.
وهذا ليس بالبعيد عن الحقيقة لكنه لا يجعل الأمر مستحيلاً بل أكثر صعوبة طالما أن احتمالات التسوية خارج هذا النموذج صارت شبه مستحيلة وغياب التسوية أكثر تكلفة للجميع، فإيران أيضاً لا تريد أن تصبح مسؤولة عن إطلاق سباق تسلح نووي في المنطقة يكرس ويعزز الوجود الأميركي ويصب ضد مصلحتها.
ولا تريد إيران أيضاً خلق حالة من الخوف والحذر ضدها إقليمياً ولو اضطر الخطاب الرسمي الإقليمي على «إخفاء» هذه الهواجس والمخاوف بسبب العنصر النووي الإسرائيلي والشرعيات السياسية العربية الضاغطة دائماً والموجودة باستمرار على مستوى الخطاب وليس على مستوى السياسة.
إيران بحاجة لأن تحصل على اعتراف واشنطن، لأن تنتزع هذا الاعتراف، بمكانتها وموقعها ودورها على الصعيد الإقليمي. تريد الاطمئنان إلى أن إسقاط النظام أو تغييره بالقوة لم يعد من أهداف واشنطن.
السياسة النووية في جزء أساسي منها تهدف إلى انتزاع هذا الاعتراف. هذا هو المدخل للتفاوض المباشر الذي قد يأخذ صيغاً مختلفة عبر مرحلة «دبلوماسية كرة طاولة» جديدة على الطريقة الصينية لتنفيس الاحتقان قد تحصل.
كما يقول البعض في مونديال كرة القدم في ألمانيا في الشهر المقبل، مع إصرار نجاد على الحضور لتشجيع فريقه الوطني، وقد تحصل تدريجياً عبر صيغ تفاوض مباشر تجري ضمن إطار متعدد الأطراف، مثل الصيغة الكورية الشمالية، تشارك فيها القوى دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا وقوى إقليمية وعربية معنية مباشرة بتداعيات الأزمة.
إنها الطريقة الوحيدة للخروج من منطق الحرب الباردة والحروب بالواسطة المشتعلة بين واشنطن وطهران أو التي يغذيها منطق الحرب الباردة بينهما، الخروج نحو سياسة انفراج وبناء ثقة إذا استعرنا مفاهيم من الماضي الدولي تصلح للحاضر الإقليمي في الشرق الأوسط.
كاتب لبناني