جارنا بوسعيد رجل سبعيني تقاعد عن العمل الحكومي، لكنه لم يتوقف عن العمل والحركة والنشاط الذي هو عنوان حياته، بل ربما وجد في المرحلة التي تلت التقاعد سنوات خصبة يحقق فيها ما لم يتسن له قبل ذلك.

رحلة يومية يقوم بها من منزله في الشارقة إلى منطقة الذيد حيث تقع مزرعته الجميلة التي تنطق كل زاوية فيها بكل قطرة عرق وجهد بذلها في المزرعة حتى أحالها من أرض قاحلة إلى واحة خضراء تهفو النفس إليها.

يستقل في رحلته اليومية سيارته «البيك أب» يستمتع بالهواء الذي يلامس وجهه فيطير غترته حتى تظهر خصلات من شعره الشائب، غير آبه بدرجات الحرارة التي بدأت في الارتفاع بل يرى المكيفات وكأنها آلات كسل ومرض.

في بيته الكبير كما هو حاله في مزرعته ورغم وجود الخدم والبيدار الذي يعتني بحديقة منزله يصر على أن يعمل بنفسه، ولا يجد حرجاً في الاعتناء بكل صغيرة وكبيرة فيه.

ليس ذلك فحسب، بل لا يتوانى عن المرور على العمال الذين يعملون في تشييد البنايات والمشاريع العمرانية لتقديم المياه الباردة والمرطبات لهم، وكذلك الأطعمة التي يفضلونها على ما تحويه أوعيتهم الخاصة «صفرطاس» ويدعو الجيران لعدم غلق الأبواب أمام أي طارق يطلب شيئاً بغض النظر عن جنسه أو جنسيته أو دينه، فالإنسان إنسان، والخير واصل، هكذا يردد دائماً.

وعند العصر لا يتأخر عن «البرزة» أمام بيته يشاركه فيها آخرون من الفريج وأشخاص يأتون من بعيد ليجتمعوا في جلسة مفيدة وحلوة.

بوسعيد يقدم خدماته لمن يسألها ولمن لا يطلب، يحاول تصحيح الخطأ أينما وجد، حفرة في الطريق يردمها، عائق أمام السيارات كبراميل القمامة مثلاً يزيلها، باب جار مفتوح يتبرع لإغلاقه، إن شاهد طفلاً صغيراً وحيداً خارج بيته، لا يهدأ حتى يدخله بيته.

البعض يحبه ويطلق عليه حارس الفريج ويطمئن لوجوده، آخرون يرونه فضولياً يتدخل فيما لا يعنيه والفاضي يعمل قاضي، بين هؤلاء وأولئك يستمر بوسعيد في عطائه، بل إنه يدخله في نطاق الواجب الذي عليه أداؤه وعدم التراخي فيه، بغض النظر عما يظنه الآخرون.

fadeela@albayan.ae