في معسكر الاعتقال المسمى «غوانتانامو» أهدرت كرامة الإنسان، وتم الاعتداء على كل القواعد الأخلاقية للبشرية، ولفظت الحضارة أنفاسها الأخيرة بين الذين مازالوا يحملون المواثيق والعهود الدولية.

مازلنا نذكر صور أولئك الذين يجرون كما تجر البهائم وهم مقيدون بالسلاسل وظهورهم محنية من شدة ثقلها، ولن تغيب عن أعيننا كيف كان يستمتع الإعلام الأميركي.

وهو يعرض صور أقفاص الحديد وبداخلها أشباه بشر يلبسون الزي البرتقالي، وكيف كان رموز البرامج الحوارية المشهورون يتلذذون وهم يصفون ما يحدث هناك، ولم يتوانوا عن إعلان غبطتهم وسرورهم على الملأ، فقد اعتبروا ذلك انتقاما لضحايا الحادي عشر من سبتمبر.

ونذكر أيضا ان القضاء الأميركي كان يصر على سلامة الإجراءات المتخذة في ذلك المعسكر، وكان يبرر وقوع المخالفات والتجاوزات اللاإنسانية، وعدم تقديم المعتقلين للمحاكمة، بل أباح كل ذلك لرجال دونالد رامسفيلد وجلاديه.

وكان العالم كله مندهشاً لكل ما يحدث، ليس تعاطفا مع المعتقلين الذين ظن بأنهم مجرمون وقتلة ساهموا في قتل الأبرياء في مركز التجارة العالمي والبنتاغون، ولكن الدهشة كانت من انفلات عقال الاستبداد والعودة الى ممارسات الأباطرة في الأزمنة الغابرة، يوم كانت القوة هي الحكم وهي السلطان.

وهي المثل والقيم، كان العالم غير مصدق لأننا نعيش في بدايات القرن الحادي والعشرين، عصر العولمة وحكم النظام الدولي المبشر به منذ سقوط الشيوعية، وهو نفس العالم الذي يسمع نداءات حقوق الإنسان ويرى مواثيقها ترفع في وجه كل متطاول أو مقصر.

تحول ذلك المعسكر الى وصمة عار في جبين كل العالم ، وزاده الصمت الذي شمل حتى أهالي بعض المعتقلين الذين كانوا يخافون من السؤال عنهم حتى لا يؤخذوا إليهم.

ويذوقوا مرارة القهر والذل، أما الحكومات فكانت تسأل بحياء أين منه حياء العذارى، فقط لتقول لشعوبها ان قالت، إنها سألت وتابعت واستفسرت، الكل خائف من إرهاب المكافحين عن الإرهاب ، ومن باب البعد عن الشر كانت التضحية ببضع مئات من البشر في معسكر اعتقال لا تحكمه شرائع السماء او البشر.

واليوم بدأت العيون تتفتح والأفواه تنطق، هذا مستشار توني بلير القانوني يدعو الى إخلاء المعسكر فوراً لأنه يسيء للغرب، وذلك قاض أميركي يسمح لمن أطلق سراحهم من «غوانتانامو» برفع دعوى ضد وزارة الدفاع الأميركية.

وغيرهم كثيرون بدأوا يتحدثون عن الأوضاع اللاإنسانية للمعسكر، ليسوا لأنهم شجعان، لا بل لأن غالبية الذين خرجوا من المعتقل لم تكن لهم علاقة بالإرهاب أو القاعدة أو طالبان او الحادي عشر من سبتمبر، وكان مطلوباً فقط ان تكون هناك إهانة لمجموعة تنوب عن امة لترضى امة أخرى.

myousef_1@yahoo.com