تضاربت أقوال المسؤولين في الحكومة عقب توقيع اتفاق سلام دارفور في أبوجا بخصوص مجيء قوات دولية لحفظ السلام في دارفور، الجديد هذه المرة أن التضارب جاء على لسان جهات تكنوقراطية قلما تحشر نفسها في هذا المطب فقد صرح السفير جمال محمد إبراهيم الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية بأن الوقت ما زال مبكرا في شأن الحديث عن الاستعانة بقوات دولية في دارفور وهو تصريح دبلوماسي رصين يناسب حالة اللاقرار التي تسود في أوساط القيادة السياسية.
وفي ذات الوقت حملت وسائل الإعلام «الخارجية» تصريحا آخر منسوبا لمدير مجلس الإعلام الخارجي، الأستاذ بكري ملاح أمين، يرحب بقوات حفظ السلام الدولية في دارفور، وبما أن دخول الإعلام الخارجي في القضايا السياسية الشائكة غير معهود من قبل كما أن اسم مديره لا يتردد في الصحف السودانية فان معظم الصحف المحلية اعتمدت تصريح الناطق باسم الخارجية السودانية.
ودخل في الخط مصدر في المؤتمر الوطني أعلن ترحيبه بالاتفاق وألمح إلى أنهم يقفون مع رغبة أهل دارفور إذا رفضوا دخول القوات الدولية! منذ متى كان أهل دارفور يتعاملون مع الأمم المتحدة؟
وهل تمت استشارتهم من قبل في مجيء قوات الاتحاد الإفريقي؟ لقد طلب أهل دارفور أن يكون لهم إقليم واحد يضم ولاياتهم الثلاث فلم يستجب لهم فكيف يستجاب لهم في شأن دولي؟
ولكن بعض الوسائط العالمية نقلت تصريح مدير الإعلام الخارجي، والتقط المندوب الأميركي في الأمم المتحدة، جون بولتون، القفاز سريعا فقال إن تصريحات المسؤولين السودانيين بخصوص السماح لقوات الأمم المتحدة بالدخول إلى إقليم دارفور تعتبر السمة الايجابية الأولى لاتفاق سلام أبوجا.
ومن ناحية أخرى حث كوفي عنان الحكومة السودانية على الإسراع بالسماح للأمم المتحدة للبدء في التحضير لإرسال قوة دولية لحفظ السلام في دارفور بعد التوصل لاتفاق السلام في أبوجا، يشير بذلك إلى فريق التقويم العسكري الذي كان من المفترض أن يحضر إلى دارفور ويقيم احتياجات الموقف الأمني قبل إرسال القوات الدولية، ولكن الحكومة رفضت حضور الفريق قبل إبرام اتفاقية السلام وتحديد الحاجة لقوات دولية.
وهل أزفت الساعة لاتخاذ قرار رسمي بخصوص مجيء قوات دولية لحفظ السلام في دارفور أم لا، ولا تستطيع الحكومة التعلل أكثر من ذلك بتأجيل اتخاذ القرار.
ولننظر في العوامل التي تتعلق بمجيء القوات الدولية إلى الإقليم. أول هذه العوامل الناحية الأمنية الميدانية في دارفور والى أي حد تتطلب حضور قوات أكثر فاعلية من قوات الاتحاد الإفريقي ومن قوات الحكومة المتواجدة هناك. لقد تم توقيع اتفاق سلام دارفور مع حركة تحرير السودان (فصيل منى أركوى مناوى) .
وجزء من فصيل الرئيس السابق للحركة (عبد الواحد محمد نور)، وبقيت خارج الاتفاق حركة العدل والمساواة وما بقى من أتباع عبد الواحد ومن المتوقع أن يحاول هذان الفصيلان ان لم يلتحقا بالاتفاق زعزعة الحالة الأمنية حتى يجبرا الحكومة والمجتمع الدولى على الالتفات إلى مطالبهما.
ويبدو أن موقفهما المعارض للاتفاق يجد تأييدا سياسيا من بعض قطاعات أبناء دارفور كما ظهر في أحداث الأيام الماضية في الخرطوم ومعسكرات النازحين في غرب وجنوب دارفور.
وهناك مجموعة الجنجويد المحسوبة على الحكومة والتي ينص الاتفاق على أن تنزع الحكومة سلاحها ومن المشكوك فيه أن تستطيع الحكومة ذلك لأن هذه الجماعات خلقت ثأرات دامية مع عدد من القبائل وتخشى أن تنتقم منها تلك القبائل ان تجردت من سلاحها.
وهى ليست تابعة للحكومة حتى تأتمر بأمرها ولكن التقت مصلحتها مع الحكومة فاستفادت منها لخدمة أجندتها الخاصة في التوسع جنوبا وغربا على حساب أراضى القبائل الأخرى، وهناك جماعات مسلحة غير سياسية اتخذت الهجوم وقطع الطرق وسيلة للكسب والمعيشة في إقليم دارفور.
لا يبدو أن قوات الاتحاد الإفريقي التي تقل عن ثمانية آلاف عنصر والقوات الحكومية التي عجزت عن دحر حركات التمرد قادرة على مواجهة كل هذه الجماعات وفرض الأمن والسلام في كل ربوع دارفور.
العامل الثاني هو أن القوى التي ترغب في مجيء القوات الدولية إلى دارفور يصعب على الحكومة مواجهتها وهى الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي والحركات المسلحة في دارفور وبعض القوى السياسية المعارضة وربما المشاركة في الحكومة.
أيضا، تقود الولايات المتحدة المجتمع الدولي للضغط على السودان حتى يقبل بمجيء قوات دولية تحل محل القوات الإفريقية التي تنتهي مهمتها بنهاية سبتمبر من هذا العام، أي تبقى لها أقل من خمسة أشهر وتعانى من أزمة تمويلية لم تحل حتى الآن.
وتحمست أميركا أكثر مما كان متوقعا لاتفاق أبوجا إلى درجة أن يتحرك بوش ويخاطب الرئيس البشير مهنئا بالاتفاق ويطلب من الكونغرس التصديق ب 225 مليون دولار تخصص مساعدات غذائية لأهل دارفور ويطلب من حلفائه في حلف شمال الأطلسي أن يقدموا مساعدات إلى قوات حفظ السلام في دارفور ويبعث وزيرة خارجيته إلى مجلس الأمن في نيويورك لإصدار قرار بنشر قوات دولية في دارفور.
هذه الحماسة الأميركية لقوات دولية تعنى مواجهة السودان لأميركا ان هو رفض مجيء تلك القوات في حين يعنى القبول بها تأييد أميركا للاتفاق ودعمه مما سيجبر الفصيلان الرافضان إلى الرجوع إليه ولو بعد حين.
وحجة الحكومة برفض قوات الأمم المتحدة على أساس أنها تشكل تدخلا أجنبيا في شؤون السودان ليست مقنعة لأن التدخل الأجنبي كان هو الأساس في اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا من أولها إلى نهايتها.
وهو كذلك في اتفاقية أبوجا الحالية، وقوات الاتحاد الإفريقي المتواجدة الآن في دارفور هي قوات أجنبية والقوات التي تحفظ سلام الجنوب هي قوات أجنبية دولية تحت مظلة الأمم المتحدة، وقد أصبح الشأن السوداني الداخلي مستباحا بين كل الدول بما في ذلك أريتريا وتشاد!
وحكومة الإنقاذ هي أكثر حكومة في تاريخ السودان جذبت التدخل الأجنبي في مشكلات البلاد وهو أمر غير محمود، ولكن التورط قد حدث بما فيه الكفاية وليس في الإمكان أسوأ مما كان! ولا يبدو أن للحكومة استراتيجية واقعية لحفظ الأمن والسلام في دارفور دون وجود قوات أجنبية فاعلة.
ومن حق الحكومة أن تتخوف من مجيء قوات دولية تحت علم الأمم المتحدة ويقودها ضباط أميركيون أو من حلف الناتو تحت سيطرة الولايات المتحدة، فان أميركا تنحاز لكل حركة مسلحة ضد الحكومة المركزية وتصنف الحكومة القائمة بأنها تحت سيطرة الأصوليين الإسلاميين الذين يرعون الإرهاب وينتهكون حقوق الإنسان ويعارضون التطبيع مع إسرائيل.
ولكن تكوين القوات الدولية المزمع إحضارها إلى دارفور يمكن أن تكون محل تفاوض واتفاق بين السودان والأمم المتحدة، كما أن الصلاحيات المقترحة لقوات الأمم المتحدة في مشروع القرار الأميركي ـ البريطاني المقدم الآن لمجلس الأمن مقلقة لأنها تستند على الفصل السابع الذي يبيح استعمال القوة العسكرية لحماية المدنيين ويوسع من صلاحيات بعثة الأمم المتحدة مقارنة بالقوات الإفريقية.
ولكن ينبغي لحكومة السودان أن تتحرك سياسيا ودبلوماسيا وتقدم تعديلا للمشروع الأميركي ـ البريطاني تجعله شرطا لقبول القوات الدولية التي لن تأتى دون موافقة صريحة من الحكومة السودانية.
ولا بأس أن تنظر الحكومة مجددا في العرض الذي سبق أن تقدم به العقيد جون قرنق وهو أن تشترك قوات حكومية وقوات من الحركة الشعبية في حفظ السلام في دارفور، ويمكن أن يضاف إليهما قوات من حركة منى أركوي بعد توقيعها على اتفاقية السلام.
وينبغي على الحكومة أن تسعى جاهدة لإلحاق فصيلي عبد الواحد وخليل إبراهيم باتفاق السلام ولو أدى ذلك إلى بعض التنازلات في مناصب تنفيذية وتشريعية تقدم لهما فلا ينبغي أن يكون الاستئثار بهذه المناصب أكثر أهمية من تحقيق السلام في دارفور، وقد أخذ حزب الحكومة حظه كاملاً غير منقوص من هذه المناصب لسنوات طويلة دون تفويض شعبي حقيقي!