ثار الجدل طويلا بين «الإسلاميين» و«الديمقراطيين» حول كيفية تحقيق المشاركة الشعبية في السلطة السياسية وحول المرجعية التي يستند إليها كل طرف في تحقيق تلك المشاركة..

وقد أتيح لي أن أشهد نقاشا بين صديقين ينسب كل منهما نفسه لأحد التيارين. قال الجالس على يميني: «الشورى» هي الأسلوب الأمثل في إدارة شؤون الحكم والحياة، وهى فرض واجب على الحاكم .

وعلى كل مسؤول على مختلف درجات المسؤولية بحيث لا يتم إصدار قانون أو اتخاذ قرار إلا بعد التشاور والحوار مع العلماء والخبراء وأصحاب الرأي وأصحاب المصلحة في القرار على أساس مرجعية الشريعة الإسلامية.

رد الجالس على يساري: أختلف معك، أنتم «الإسلاميون» تتجاهلون أن «الديمقراطية» هي الأسلوب الأمثل للحكم فهي التي تحقق ليس فقط مشاركة كل قوى الشعب في صنع القرار وليس أهل الحل والعقد فقط، بل أيضا تجعل سلطة الشعب فوق سلطة الحاكم في حين أن الشورى لا تلزم الحاكم بل تجعله بعد الحوار هو صاحب القرار.

قال الأول: وأنتم «الديمقراطيون» تتجاهلون حقائق الواقع، فهل الديمقراطية لا تجعل الحاكم هو صاحب القرار؟ من إذن الذي يوقع في الديمقراطية قرارات السلم والحرب؟

ومن الذي يكلف من بتشكيل الحكومة؟ ومن المسؤول في النهاية عن نجاح وفشل الدولة في تحقيق أهداف الشعب.. أليس رئيس الجمهورية إذا كان النظام رئاسيا ورئيس الحكومة إذا كان النظام برلمانيا؟

قال الثاني: في الديمقراطية يملك الشعب انتخاب رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، كما يملك الشعب ألا يعيد انتخاب أي منهما دورة ثانية بينما نظام الشورى لا يعترف بالانتخاب ولكنه يعتمد البيعة، كما أنه لا يمكن الشعب من تغييره إذا أراد.

قال الجالس على يميني: هذا نظري بينما الواقع ينطق بشيء آخر، من يملك التقدم للترشيح، ومن يملك تكاليف الحملة الانتخابية، وكيف تجرى العملية الاقتراعية في الواقع خصوصا في النظم «الديمقراطية» غير الديمقراطية مثلما الحال في معظم بلداننا العربية، ومع ذلك، من قال لك أن البيعة لا تمكن الشعب من اختيار رئيسه، إنها تعاقد بين الحاكم وكل من ذهب إليه مبايعا.

أو أعلن ذلك برضاوحرية عن بعد، وبمقدور الشعب ألا يبايع إلا من ارتضاه حاكما، كما أن خلع الحاكم في نظام الشورى من أيسر الإجراءات، إذا خرج الحاكم على أحكام الشرع أو إذا خالف شروط البيعة مع الشعب يكفى أن يعلن العلماء ألا سمع ولا طاعة له على الناس فلا يعود حاكما إلا لنفسه، ومع ذلك يمكن أن تتم البيعة عن طريق آلية صناديق الاقتراع.

رد الثاني قائلا: هذا تطور كبير.. ومع ذلك لا أفهم نظام الاختيار بالبيعة بينما نظام الانتخاب معروف، وبهذا الذي قلته عن إمكانية استخدام صناديق الاقتراع يبدو لي أنكم تخلطون الأمور مثلما تخلطون السياسة بالدين، ولم أعد أعرف تفسيرا لهذا الخلط بين الشورى والديمقراطية من جهة وبين البيعة والانتخاب من جهة أخرى.

رد الثاني قائلا: المسألة أوضح في فهمنا عما يصعب عليك فهمه، الإسلام كدين يوجه حركة السياسة نحو الحكم الرشيد وليس مساويا لها أو بديلا عنها، كما يوجه الاقتصاد نحو العدالة وعدم الاستغلال أو الاحتكار.

وليس بديلا عن علوم الاقتصاد، فلا خلط في الأوراق كما تقول، بل إنارة للطريق من السماء إلى الأرض، لكن في علوم وفنون الحياة، فالناس أعلم بشؤون دنياهم.

قال الآخر: لكنك لم تحدثني عن الشورى وما الفرق بينها وبين الديمقراطية كما ترونهما أنتم؟

أجابه الثاني قائلا: الشورى في فهمنا «مبدأ» يصل إلى حد الفرض الثابت، بينما الديمقراطية بالنسبة لنا «آلية» إجرائية يمكن تغييرها حسب المكان والزمان والسكان، المبدأ في نهجنا ثابت في كل عصر ومصر، لكن الآليات يمكن أن تتغير من عصر إلى عصر ومن مصر إلى مصر، والمبدأ واحد ولكن الآليات ليست واحدة، هل وضح فهم المسألة؟

أجابه قائلا: ليس بعد.. فالديمقراطية في فهمي مبدأ وآلية واحدة في الوقت نفسه، هي مبدأ مشاركة الشعب في صنع القرار ، وهى آلية الاحتكام إلى صندوق الاقتراع في اختيار ممثلي الشعب وحكامه، بينما الشورى مبدأ يفتقر إلى آلية محددة.

قاطعه قائلا: على العكس.. الشورى مبدأ لا يفتقر إلى آلية بل يثريه أكثر أن كل الآليات مباحة أمامه وليس مجرد آلية واحدة، وذلك وفقا لما يتناسب مع المكان والزمان والسكان، بما يتيح مشاركة الشعب مع المسؤول على مختلف المستويات وليس فقط على مستوى البرلمان في صنع القرار، ومع ذلك الآليات الديمقراطية ليست واحدة، وهنا دعني أسألك كم نظاما انتخابيا في العالم؟

أجابه: حوالي 150قانوناً ولكن دعني أسألك بدوري، ومادمتم تقبلون بآليات الديمقراطية كالاستفتاء والانتخاب عن طريق صندوق الاقتراع فلماذا ترفضونها، وما الفرق إذن بين الديمقراطية كما نفهمها والشورى كما تفهمونها؟

أجابه: دعني أوضح لك. الديمقراطية نعم هي مبدأ يستهدف حق الناس في المشاركة، لكنه في رأينا مبدأ يفتقر إلى المنهج وإلى الهدف الذي يحوز إيمان الشعب به، ونحن في علاقتنا به نتطابق في المشاركة الشعبية لكننا نتقاطع معه في المرجعية، فهي لا مرجعية لها إلا برنامج الحزب الذي يحوز غالبية الأصوات.

قاطعه الآخر قائلا: ألا يكفيكم حصول برنامج حزب من الأحزاب على غالبية الأصوات كي يكون هذا مشروعا للتعبير عن إرادة الناس؟

أجابه: وهل تنسى أن غالبية عدد الأصوات لا تعبر في الواقع عن غالبية تعداد الشعب فقد يكلف الحزب الفائز بالأغلبية بالحكم ونسبته لم تتجاوز 20% من مجموع الشعب، ومعنى هذا أن خمس الأصوات يحكمون أربعة أخماس فهل هذه هي ديمقراطية الأغلبية أم ديكتاتورية الأقلية، وهل هذا يمكن اعتباره «تمثيلا» حقيقيا عن الشعب أم «تدجيل» واقعي على الشعب؟

أجابه: يبدو أنكم لا تفهمون آليات الديمقراطية بشكل يتيح لكم معرفة أنها التمثيل الواقعي لغالبية الشعب، وفقط تريدون فرض نظامكم على الآخرين.

قال الثاني: أترك الفهم لكم وأترك الحكم على الأشياء لغالبية الشعب، لكن أعود للقول بأن الديمقراطية هي بالنسبة لنا آلية لأنها في حد ذاتها لا تملك المرجعية أو برنامج عمل أو خارطة طريق، بل مرجعياتها يصنعها الحزب الفائز في الانتخابات.

ولو بخمس الأصوات فقط، وهذا ما ينقصها عن مبدأ الشورى التي توجب مشاركة علماء وخبراء الشعب في صنع القرار، وموافقة غالبية الشعب على تطبيقه، وذلك ينبع وفقا للمرجعية الإسلامية التي تؤمن بها الغالبية الشعبية في مجتمعاتنا العربية في الواقع، وفارق كبير بين أن يكون لك رؤية ومنهج يضيء لك الطريق وبين أن تمشى بلا رؤية ولا خريطة ولا ضوء إلا ما تراه الأغلبية الانتخابية.

قال الآخر: مرجعيتنا في الديمقراطية هي الدستور وما يوافق عليه غالبية ممثلي الشعب بغض النظر عن أي مرجعية دينية.

قال الثاني: تنسى أن ما تسميه أغلبية لها حق الحكم قد تكون (في النظم الديمقراطية) أغلبية وهمية أو مزيفة أو مشتراه أو منتزعة بالبلطجة المادية أو المعنوية كالإرهاب الفكري عن طريق أبواق الإعلام غير الحر، أو بمنع المعارضين بوسائل مختلفة من الترشيح أو التصويت.

قال الآخر: في النهاية نحن نحترم الدستور حتى ولو كان بحاجة إلى تعديل، ومع ذلك فلا تنسى أن بعض الدساتير تجعل الشريعة الإسلامية هي «المصدر الرئيسي للتشريع» باستفتاء شعبي هو أحد الآليات الديمقراطية.

انتهى الحوار ويبقى أن نتساءل: ترى إلى أي مدى عبر كل منهما بدقة عن الفكر الذي ينتسب إليه؟

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com