كنت واحدا ممن حوصروا في مبنى نقابة الصحافيين بالقاهرة بجحافل رجال الأمن في مساء الأربعاء الذي سبق الجلسة الأولى للتحقيق مع القاضيين المحالين لمجلس التأديب، ورأيت بعيني غيوما تتجمع بوتيرة سريعة في سماء السياسة المصرية بعد تفاؤل قصير.

وقبل أن يهدأ غبار معركة استقلال القضاء التي أثارت ومازالت تثير الكثير من الغضب في الشارع المصري ربما بحجم لم يتوقعه أكثر المعارضين تفاؤلا؛ كان قرار تجديد سريان قانون الطوارئ لعامين مقبلين وعمليات الاعتقال المتوالية لأعضاء الإخوان المسلمين

ثم حركة كفاية ثم حزب الغد والاحتقان الذي يتصاعد داخل الجامعة على وقع دعوات لتعزيز استقلال الجامعة، كل هذه التداعيات تعمل متساندة على تكريس مناخ من الخوف والتشاؤم بشأن مستقبل عملية الإصلاح التي يؤكد الرسميون أنها قائمة مستمرة لا تراجع عنها.

تسييس الأمن

بدأت القصة بالنسبة لي كشاهد عيان بوصولي إلى مبنى النقابة دون ترتيب مسبق ليدعوني أحد نشطاء حركة كفاية للمشاركة في زيارة تضامن لنادي القضاة المجاور للنقابة وكانت ضمن الوفد وجوه عُرفت بالحرص الشديد على المشاركة في مثل هذه المناسبات، بينها عدد من أعضاء مجلس النقابة،

وبعد قليل من دخولنا نادي القضاة داهمتنا مفاجأتان إحداهما سارة هي حضور المخرج المصري العالمي يوسف شاهين للتضامن مع القضاة والأخرى غير سارة هي انتشار عدد ضخم من جنود الأمن المركزي أمام النادي واعتقالهم كل المعتصمين أمام النادي تضامنا مع القضاة، وتوتر الجو بدرجة غير متوقعة!

كان مشهد اعتقال المعتصمين منطويا على درجة كبيرة من القسوة دفعت بعض الصحافيين للتدخل بأمل إنقاذ بعضهم، فوقع اعتداء من الأمن على الصحافي المعروف محمد إحسان عبد القدوس،

وبدأت الحشود الأمنية تتوجه نحو نقابة الصحافيين وبدأت عملية اصطياد لكل من يغادر مبنى النقابة، وبعد احتشاد وهتافات وصل نقيب الصحافيين وبدأ اتصالات مع أجهزة الأمن.

المشهد كله كان عينة مماثلة لما آلت إليه عملية تسييس دور الأجهزة الأمنية وهو أمر انتقدته المعارضة كثيرا وحذرت من توابعه كثيرا حتى انتقلت المخاوف من نتائج هذا التسييس إلى تقرير صادر عن المجلس القومي لحقوق الإنسان وهو مجلس رسمي مصري دعا إلى تقليص دور أجهزة الأمن في معالجة المشكلات السياسية مشيراً إلى دوره في مواقف حدثت مؤخراً منها العنف الطائفي الذي شهدته مدينة الإسكندرية.

والتعامل مع الملفات السياسية بمنطق أمني، إحدى مشكلات العديد من الدول العربية، فمصر في هذا السياق ليست استثناء من حالة التضخم الكبير لدور الأمن السياسي في معظم الدول العربية، وهذا الاستدعاء للأمن لساحة السياسة يؤدي إلى تحول الفعل السياسي من الجدل والتنافس إلى الصدام والإقصاء المتبادل وهو في الوقت نفسه يؤدي إلى نتيجة أخرى هي الأخطر،

إذ تتحول أجهزة الأمن السياسي من أداة في يد صانع قرار سياسي يستخدمها لتحقيق أهداف سياسية وفي حدود القانون إلى مؤسسة تصنع القرار السياسي وتنفذه وتصبح الرصاصة والهراوة سيّدتي الموقف، ومع تضخم نفوذ هذه الأجهزة تصبح طرفا في معادلات الإصلاح وبشكل يكاد يكون تاما تصبح «حزباً سياسياً».

إشكالية الدولة القوية

والغيوم التي تتجمع في سماء القاهرة ليس مصدرها الرئيسي توازنات القوى أو مسارات التنافس ـ أو حتى الصراع ـ السياسي المحتملة أو الحالة بل مصدرها فهم تجاوزه الزمن لمفهوم الدولة القوية فقوة الدولة كانت حتى الحرب العالمية الثانية ترتكز بالأساس على القوة العسكرية التقليدية وبظهور الرادع النووي أصبح التقدم في التقنية العسكرية المفتاح الأهم لقوة الدولة في مواجهة الخارج،

ومع ازدياد الاهتمام العالمي بتعزيز مفاهيم حقوق الإنسان ودور المجتمع المدني أصبحت قوة الدولة في الداخل لا تقاس بقدرتها على قمع مواطنيها بل على إقامة علاقة تراض ترتكز على نقطة توازن بين الحرية والأمن.

واختلال التوازن بين الحرية والأمن في الحالة المصرية تؤكده حالة الطوارئ المفروضة منذ اغتيال الرئيس السادات عام 1981 وقد كان البرنامج الانتخابي للرئيس مبارك مؤشراً في هذا الاتجاه فوعد الناخبين بعدم تمديد حالة الطوارئ وأن يحل محله قانون لمكافحة الإرهاب،

ومع التمديد الأخير الذي سبقه تأجيل الانتخابات المحلية لعامين يتصاعد شعور عام بأن الإصلاح يبتعد وأن أحوال الحريات تتراجع بدلاً من أن تتقدم وعندما تتراجع الحريات في لحظة تاريخية مفعمة بالأمل وفي مواجهة «سقف توقعات» شعبي مرتفع نسبيا فإن الصدمة تكون مضاعفة.

والغيوم التي تتجمع في سماء القاهرة تترافق مع ظروف إقليمية ودولية غير مسبوقة ووتيرة مطالبات وانتقادات خارجية لم تشهدها من قبل علاقة مصر بحلفائها الغربيين. . . فماذا بعد هذه الغيوم؟.

كاتب مصري